ما بين الجوارين العربي والأوروبي… الواقع والوهم

06/12/2013

نشر هذه المقال عبر موقع شباب السفير بتاريخ, 21 نيسان 2010

جاء إقتراح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى حول مشروع ” الجوار العربي ” على ما يبدو كخطوة هروب إلى الأمام تسليماً منه بصعوبة تحقيق أي إنجاز أو تحول إيجابي على مستوى النظام العربي أو العمل العربي المشترك في ظل تحديات متصاعدة على كافة الصعد. أما مضمون الإقتراح فهو إقامة ” منطقة جوار عربي في رابطة إقليمية مع جامعة الدول العربية والتي يمكن أن تشمل تركيا تشاد إيران وأثيوبيا وإريتريا والسنغال وغينيا ومالي والنيجر، إضافة إلى دول جوار المتوسط وجنوب أوروبا “.

إن الفكرة من حيث المبدأ مستوحاة من ما يعرف ب ” سياسة الجوار الأوروبي ” , وعليه يمكن إنطلاقاً من تجربة الإتحاد الأوروبي في هذا المجال طرح سؤال بديهي , ما مدى واقعية وإمكانية نجاح مشروع ” الجوار العربي ” لا سيما من الناحية الؤسساتية ؟ رغم الإختلافات الواضحة بين المنظمتين الاقليميتين العربية والأوروبية إلا إن الإنطلاق من التجربة الأوروبية ومن ثم مقارنتها بالواقع العربي والإقليمي يمكن أن يساعد على الكشف عن إجابة التساؤل أعلاه .

أطلق الإتحاد الأوروبي ما يعرف ب ” سياسة الجوار الأوروبي ” عام 2004 وذلك بهدف منع ظهور خطوط إنقسام إضافية بين الإتحاد الأوروبي والدول المجاروة له , والعمل بدل ذلك لتمتين الإزدهار , الإستقرار , والأمن لجميع الأطراف . وقد كانت هذه السياسة في صلب رؤية الأمن الإستراتيجي الأوروبي كما ورد في العام 2003 . وتشمل هذه السياسة الدول التي تتشارك بحدود برية أو بحرية مع الإتحاد الأوروبي وذلك من خلال إتفاقيات ثنائية تعرف ب ” خطط عمل سياسة الجوار الأوروبي ” , وحالياً يبلغ عدد الدول المشاركة 13 دولة منها 7 عربية هي لبنان , فلسطين المحتلة, الأردن , الجزائر , مصر , المغرب, وتونس , إضافة الى أرمينيا, جورجيا , أذربيجان ,أوكرانيا, مالدوفيا , ” وإسرائيل “, فيما لم تفعل هذه السياسة حتى الأن مع ثلاثة دول رغم كونها مجاورة وهي سوريا, ليبيا وبيلاروسيا .

إذاً إتخذ الإتحاد الأوروبي خطوته نحو سياسة الجوار بعد رحلة تأسيسية بنيوية طويلة توسع خلالها الإتحاد من 5 دول الى 25 دولة عام 2004 ( 27 دولة 2007 ) , أنجز خلال هذه الفترة وعبر سلسلة من المعاهدات وآخرها معاهدة لشبونة تمتين مؤسساته وتطوير وتفعيل آليات إتخاذ القرار وإيجاد هياكل تحقق التوازن بين مصالح المواطنين الدول والإتحاد وصولاً إلى وضع وتنفيذ سياسات اوروبية مشتركة في كافة المجالات لا سيما في الإقتصاد والنقد والسوق المشتركة والسياسة الخارجية , أي أن الإتحاد إنطلق بإتجاه محيطه الخارجي بعدما أنجز بناء نواته الداخلية الصلبة القادرة على إطلاق مبادرة الجوار الاوروبي .

أما في حالة الجامعة العربية فلا يزال العمل العربي المشترك يدور في حلقة مفرغة منذ تأسيسها السابق لتأسيس الإتحاد الأوروبي , فلا مؤسسات ولا سياسات ولا رؤية مشتركة أو بنية داخلية فعالة ومنتجة بل سلسلة من الأزمات والهزائم والخيبات المتتالية والتي تشكل القمم العربية إحدى تجلياتها , وبالمحصلة لم تنجز الجامعة ما يستحق الذكر من أهدفها السياسية , الإجتماعية , العلمية, الثقافية, أو الإقتصادية , مما يجعل من الجامعة العربية نواة مهترئة فارغة , فكيف لهذه النواة ان تتحمل أعباء ومتطلبات سياسة جوار مع محيطها الخارجي , فهي لن تستطيع أن تقدم ما يساعد جيرانها الأكثر تخلفاً وفقراً كما بعض الدول الإفريقية ولن تستطيع أن تكون بمستوى تطلعات جيرانها الأكثر قوةً وتقدماً كما هي حال تركيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية .

طرح الإتحاد الأوروبي مشروعه للجوار بهدف تأسيس علاقة مميزة مع جيرانه مبنية على الإلتزام المتبادل بالقيم المشتركة المتمثلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور القانون والحكم الرشيد ومبادىء إقتصاد السوق والتنمية المستدامة , فالتساؤل البديهي الآخر هو أي من هذه القيم تطرحها الجامعة العربية لمشاركتها مع شركائها في مشروع الجوار العربي ؟!!! بل ما هي القيم المشتركة التي إتفق عليها العرب فيما بينهم أولا , بالطبع مع إستثناء الإستبداد وملحقاته .أضف الى ذلك أن جزء من النظام العربي لا يزال يصاعد حال العداء مع هذا الجوار سواء مع “الفرس” او “العثمانيين” أو مع بعض الجيران الأفارقة.

تتضمن سياسة الجوار الاوروبي مجموعة من المبادرات وأطر العمل بهدف تحقيق مجموعة من الإصلاحات في المجالات المشتركة بين الطرفين كالتعاون في المجالات السياسية والأمنية , إلى الشؤون الإقتصادية والتجارية والبيئية والتكامل في مجالات النقل وشبكات الطاقة والتعاون الثقافي والعلمي , ويقدم الإتحاد مساعدة مالية وتقنية للأطراف المشاركة لدعم تطبيق هذه الأهداف وقد رصد الإتحاد الأوروبي لهذه السياسة للفترة ما بين 2007-2013 مبلغ 12 مليار يورو . في المقابل لا تزال الجامعة العربية تعاني العجز التام فيما يخص الإصلاحات او التعاون المشترك فكيف يمكن تحقيق ذلك مع دول الجوار , ومن ثم هل تمتلك الجامعة القدرة على رصد ميزانية ولو بحد ادنى لهكذا مشروع ؟!!

إن هذا النقاش لا ينفي الحاجة لتفعيل وتأطير العلاقة مع القوى والدول المجاورة بل على العكس تماماً , ولكن النقطة موضع النقاش أن هذه العلاقة لا يمكن أن تخاض من خلال فكرة الرابطة الإقليمية أو الجوار الإقليمي بسبب عجز الواقع العربي عن تحمل أعبائها . فما البديل ؟

إذا كان الهدف من المشروع أن ” يغير طبيعة الحركة الإقليمية ويسهم في ترشيدها وتفعيلها” لا سيما في القضايا الاستراتيجية وبالتحديد الصراع العربي الإسرائيلي , فإن كل الدول المستهدفة بالمشروع هي أطراف إما في الإتحاد الأوروبي أو الإتحاد الإفريقي أو منظمة المؤتمر الإسلامي وعليه يمكن للجامعة وبالإتفاق مع هذه المنظمات إنشاء لجان أو لجنة خاصة ذات صلاحيات وموارد كافية تتولى رفع وتحسين وتطوير مستوى التنسيق والتفاعل والتعاون مع الأطراف الثلاث المذكورة , وهو خيار أسهل وأبسط من حيث الإجراءات والأطر واكثر فعالية من حيث شموله مجموعة أوسع من الدول والمنظمات .

كما يمكن كخيار إضافي رفع مستوى العلاقة مع كل من تركيا وإيران من خلال إقامة ” شراكة إسترايجية ” كما هي الحال بين روسيا والإتحاد الاوروبي , ولكن هذا ما تهابه بعض الانظمة العربية خوفاً على ما تبقى من نفوذها في المنطقة. إن مشروع الجوار العربي لن يكون عمليا ً أكثر من فكرة ذيَلها عمرو موسى بتوقيعه مودعاً .

حسام مطر

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *