لحظة مصيرية في الازمة السورية: ضرورة الردع

07/12/2013

نشرت هذه المقالة في موقع الانتقاد بتاريخ 31\5\2012

كل كلام حالي عن تسوية حول الازمة السورية ليس إلا وهماً. لا تنضج التسوية إلا في حالين إما إذعان أحد الطرفين، أو استناداً الى ثبات توازن القوة والردع المتقابل. وحتى اللحظة لا إذعان ولا ردع. وما يجعل التسوية السورية أكثر تعقيداً، هو أنه لا يمكن أن تتحقق إلا من ضمن تسوية إقليمية أشمل وأكبر في أشد اللحظات الاقليمية تعقيداً وغموضاً وإرباكاً.

يعتقد المحور المتكتل بوجه النظام السوري بأنه يملك من الأدوات ما يكفي لإسقاط النظام عبر تكتيكات الحرب اللامتماثلة والمدعومة بالقوة التقليدية على الصعد المادية والدبلوماسية والاعلامية والسياسية. وما يعزز شراسة هذا التكتل، هو تدني الأكلاف التي يدفعها أثناء خوضه لهذه المغامرة، فيما تبدو المكاسب المتوخاة ذات أثر إستراتيجي على مستوى المنطقة بل وخارجها. حتى ان بروس ريديل ذهب الى الطلب من “إسرائيل” أن تفكر بطريقة خلاقة، وتقوم بتقديم عرض “الأرض مقابل السلام” للمعارضة السورية، لأن ذلك “سيحفز المجتمع الدولي على دعم المعارضة السورية أكثر. ففي النهاية سيشكل سقوط الأسد الضربة الأقسى لحزب الله وإيران وسيقلب ميزان القوى بشكل دراماتيكي”. ( كيف يمكن لإسرائيل إزاحة الأسد دبلوماسياً وجلب السلام لسوريا، دايلي بيست، 25 شباط 2012).
لذلك وكلما بدا ان الامور تتجه نحو التهدئة في سوريا او نضوج التسوية، لم يكن ذلك إلا جزء من الحرب، لحظة استجماع الانفاس والبحث عن ثغرات جديدة وفتح مسارب مبتدعة، وتحضيراً لتكتيات جديدة نحو لحظة حشد أخرى للانقضاض على النظام السوري ومن معه.تدير الولايات المتحدة معركتها في سوريا بإستراتيجتها الجديدة التي تكرست مع وصول اوباما للسلطة، إستراتجية العمل من الكواليس وأبرز خصائصها: التدخل من خلال المؤسسات الدولية والإقليمية، دفع الحلفاء الاقليميين الى الواجهة، الامتناع عن التدخل العسكري المباشر ما عدا الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي والإسنادي، التركيز على العمل المتعدد الاطراف، إبراز الوجه الفئوي للصراعات، والاستخدام المكثف للإعلام المحلي وشبكات الانترنت.

في هذا السياق يقول بريجينسكي إنه في شأن الأزمة السورية بالتحديد “علينا ان نتبع نصائح والعمل مع الإتراك والسعوديين، فهما البلدان اللذان لهما المصالح المباشرة في الوضع السوري وكذلك الإمكانية للتأثير ، لذا ينبغي العمل معهم وعبرهم وليس قيادتهم حتى ولو لفظياً. فالوضع السوري معقد كونه يعكس مواجهة غير مباشرة بين طرفين هما “إسرائيل” وإيران”. (مقابلة مع قناة س ب أس، 14 شباط 2012) تبدو الازمة السورية ومنذ مبادرة أنان تسير نحو تصعيد حتمي، وهي بلغت في الايام الماضية ذروتها على الصعد كافة. لم تكن التفجيرات الانتحارية، والعنف المتنقل يوميا لا سيما في حلب ودمشق، وحشد المعارضة لقدراتها العسكرية وإعادة التسلح لا سيما في منطقتي حمص وأدلب المحاذيتين للبنان وتركيا، ومن ثم اختطاف اللبنانيين وأخيراً مجزرة الحولة المهولة إلا في سياق الأعمال التحضيرية لاندفاعة هجومية جديدة قد تكون الاقوى.

وقد اشتملت التحضيرات على محاولة مستمرة لإيجاد شرخ بين النظام السوري وحلفائه الخارجيين. فالروس يتعرضون لضغوط سواء عبر الرأي العام أم من خلال مجلس الامن. وفي سبيل ذلك دعا ديفيد بولوك أميركا الى الحد من المخاوف التي تدفع روسيا لدعم الأسد عبر تشجيع تركيا والمعارضة السورية على طمأنة موسكو بأنها لا تنوي منع روسيا من لعب دور في سوريا ما بعد الاسد. كما ينبغي للمسؤولين الأمريكيين أن ينقلوا بهدوء تلك الرسالة بأنفسهم إلى موسكو وكذلك عبر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي يتمتع بمصداقية نادرة في روسيا.(فصل ارتباط الأسد بروسيا، معهد واشنطن، 22 كانون الأول, 2011,). إلا أن هذه المحاولات لن تنتج تحولاً كبيراً في مواقف الروس إذ إن حساباتهم في الأزمة السورية تتخطى الوضع الإقليمي الى حسابات إستراتيجية تطال تركيبة النظام الدولي وشكله وطبيعة العلاقات القائمة فيه.

أما إيران وحزب الله فيتعرضان لتهديدات الحرب المذهبية. السعوديون يتكفلون بهذه المهمة. ومن جانب الترغيب فقد تلقى الايرانيون عرضاً في بغداد، واما مع حزب الله لا يبقى إلا الترهيب. هنا تأتي معضلة خطف اللبنانيين. يرتبط خطف اللبنانيين في سوريا على ما يبدو في سياق الضغط على حزب الله سعياً لإيجاد شرخ بينه وبين القيادة السورية. من المفيد الإشارة الى ان ظروف الخطف من ناحية المكان، والتوقيت ومن ثم الخديعة تؤكد تقريباً أن عملية الخطف تخضع للإرادة التركية بشكل كامل. وفي ظل غياب المعلومات عن مسار التفاوض، يمكن تقديم عدة أهداف متقاطعة: محاولة تحييد الحزب سياسياً وإعلامياً خلال هذه اللحظة الهجومية على النظام السوري، السعي لتقييد التحركات العسكرية السورية في منطقة الحدود التركية لضمان هامش امان اكبر للمعارضة المسلحة، أو إيصال رسالة لشيعة لبنان بأن خيارات حزب الله السياسية تجاه الوضع السوري ستنعكس عليهم بشكل مباشر، تبدو كل الاهداف ممكنة ومع الوقت سيتضح أيها الأكثر واقعية.

إذاً هي لحظة مصيرية في الازمة السورية، المعارضة المسلحة تسعى الى استعادة المبادرة والنظام رغم تماسكه إلا أن ندوب المواجهة بادية عليه بوضوح. افق التسوية مسدود بالكامل، والمسار الحالي سيفضي ولو بعد زمن الى نتيجة حتمية واحدة، تقسيم سوريا. محور المقاومة في موقف دفاعي يراهن على الوقت والتحولات، بعد سنوات من الهجوم في لبنان والعراق وفلسطين. بالتأكيد امتصاص الصدمة والمباغتة مطلوبان، ولكنهما لا يكفيان لفتح الطريق نحو تسوية تحفظ سوريا من مخاطر كبرى. المحور المقابل لا يبالي البتة بسوريا إذ لا يرى فيها سوى حلقة جغرافية بين إيران والعراق والمقاومة. بما أن خيار الإذعان غير وارد، لا يبقى إلا الردع، وهو خيار له حساباته المعقدة ولكن لا بد منه. وبما ان واشنطن وحلفاءها يراهنون على تعقل الجبهة المقابلة وافتقادها للمبادرة والخيارات، يمكن القول إن بعض الجنون ينعش العقل، وبعبارة فرانسوا دو لا روشفوكو ” لا يكون المرء عقلانياً من دون ذرة جنون”.

حسام مطر ـ كاتب لبناني

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *