خلفيات المؤامرة الأميركية ـ السعودية على ايران

06/12/2013

نشر هذا المقال على موقع الإنتقاد الإلكتروني بتاريخ 19-10-2011

رغم الخبر المفاجئ الذي أعلنته واشنطن عن المؤامرة الايرانية المزعومة لاغتيال السفير السعودي لديها، الا أن المتتبع للحملة المنظمة والكثيفة ضد حزب الله وايران في الأشهر الأخيرة والتي كانت تجري في الكونغرس ووسائل الاعلام ومراكز الدراسات الاميركية، لن يجد صعوبة في تجاوز حال المفاجأة، بل سيدرك أن الاتهام ليس الا جزءا من سياسة أعم وأشمل. لقد عملت هذه المؤسسات الأميركية بكثافة على نحت الوعي الأميركي خلال الشهور الماضية بالتحديد على فكرة تمدد شبكة حزب الله “الاجرامية” وفيلق القدس الايراني الى أميركا اللاتينية بشكل داهم ومتنامٍ وخطير ما يشير الى امكانية وقوع هجمات على الأراضي الأميركية كجزء من استراتيجية ايرانية هجومية مستحدثة.

تذكّر هذه الحملة، بتلك التي قامت بها ادارة جورج بوش الابن قبيل حربها على العراق من خلال سلسلة تكتيكات اعلامية ونفسية هدفت حينها للتلاعب على عقول الأميركيين لتهيئتهم للحظة الصفر. من الأمثلة على ذلك ما كشفته احدى الدراسات عن تعمد الرئيس الأميركي قبيل الحرب على وضع مصطلحي “القاعدة” و”صدام حسين” في جملة واحدة أثناء خطاباته العامة من دون أن يشير الى وجود علاقة مباشرة بينهما، وذلك بهدف خلق فكرة في اللاوعي الأميركي عن علاقة بين الطرفين يتم ترسيخها من خلال التكرار المتتالي، وصولاً الى اللحظة التي اعلن بوش فيها صراحة عن وجود تعاون بين “القاعدة” والنظام العراقي كأحد مبررات الحرب الأساسية. المراد هنا الاشارة الى الأسلوب وليس القول ان أميركا ذاهبة باتجاه حرب مماثلة حالياً، الا أنها تعمل على نقل التهديد الايراني ـ الحزب اللهي الى مستوى متقدم في الوعي الأميركي باعتباره تهديدا مباشرا، قريبا، وداهما على أمنهم الشخصي وأمن أسرهم ومصالحهم ووطنهم، ما يحفز مستويات أعلى من العدوانية والاستعداد لتقبل الخسائر المحتملة في المواجهة المستقبلية بما يتيح للادارة الأميركية ممارسة سياسات أكثر عدوانية تجاه ايران وحزب الله.

تتركز هذه الحملة على الترويج لفكرة تزايد حضور شبكات حزب الله وفيلق القدس في أميركا اللاتينية بمساعدة حكومات تلك الدول خصوصاً فنزويلا، حيث تقوم هذه المجموعات بتأسيس خلايا اجرامية وتعبئة الرأي العام والمجتمعات المسلمة بالتحديد هناك، والأخطر هو نسجها لعلاقات عملياتية مع عصابات التهريب والمخدرات لا سيما على الحدود المكسيكية ـ الأميركية. يدّعي الأميركيون أن هذه العصابات تستفيد من الخبرات القتالية والتكتيكية لحزب الله لا سيما في مجال بناء الأنفاق وتصنيع العبوات فيما يستفيد حزب الله وايران من هذه الشبكات مالياً وتعزيز النفوذ والدخول الى السوق السوداء لشراء لوازم عسكرية والحصول على وثائق مزورة ضرورية لبعض المهام “الارهابية”. ما يقلق الأميركيين هو توسع الروابط الأمنية والسياسية بين ايران وحزب الله وحكومات المنطقة والتي أصبحت “ملاذاً آمناً” لهذه الشبكات والتي يمكن أن تُستخدم مستقبلاً كقاعدة انطلاق لاستهداف المصالح الأميركية، اذاً تحاول ايران بناء توازن قوى هجومي مع الولايات المتحدة انطلاقا من أميركا اللاتينية، بحسب هذه التحليلات الأميركية.

تكثفت هذه الحملة من خلال جملة شهادات في الكونغرس قدمها باحثون ودبلوماسيون مختصون بالشأن الايراني واللاتيني من أمثال، ايان بيمان، دوغلاس فرح والسفير روجر نوريجا، وجميعهم قدموا شهادات في الكونغرس بين تموز وأيلول الماضيين حول تصاعد خطر شبكة حزب الله وفيلق القدس في اميركا اللاتينية وما يمكن ان يتركه ذلك من تراجع في الأمن القومي الأميركي وتزايد احتمالات شن هجمات داخل الأراضي الأميركية. وعليه ليس الاتهام الأميركي الأخير لايران عن المحاولة المزعومة لاغتيال السفير السعودي الا جزءا من هذه الحملة “الخبيثة”.

الا أن الاتهام الأميركي قد لقي استغراباً واسعاً ضمن المعسكر الأميركي ذاته، وهو ما دفع كينيث بولاك الى التأكيد على أنه قبل البدء بتحليل خلفيات المؤامرة المزعومة يجب “توخي الحذر في اعتبار أن الاتهام لم تظهر أدلته بعد وهي لن تكون المرة الأولى التي تُتهم فيه ايران بأمر ثم تتبين براءتها وكذلك لن تكون المرة الأولى أيضاً التي توجه فيه أميركا اتهاماً باطلاً”. ثم أكمل بولاك على أنه في حال ثبوت التهمة فانها تبرز جملة دلالات: أن ايران تيقنت أنها أصبحت في حالة من الحرب السرية الحتمية مع الولايات المتحدة، أن ايران أصبحت مستعدة للذهاب أبعد من ذي قبل في هذه الحرب، ثم أنها لم تعد تخشى من قدرة الرد الأميركية، ولكن من دون أن يعني ذلك كله أن ايران تقوم بذلك من دون حساب التكاليف (حرب ايران السرية على الولايات المتحدة، دايلي بيست، 11\10\2011).

بالمحصلة يهدف هذا الاتهام الاميركي في هذه اللحظة الى جملة غايات:
أولاً، ان الاتهام هو جزء من الحملة الأميركية لشيطنة ايران وحزب الله على المستوى الدولي، لا سيما من خلال التركيز على البُعد “الاجرامي” لهما واقرانه بالبُعد “الارهابي”، كما يروج الأميركيون.
ثانياً، يشكل الاتهام حلقة في سياسة احتواء ايران وعزلها من خلال تعميق الشرخ المذهبي في الخليج والمنطقة العربية بما من شأنه ـ باعتقاد السعوديين والأميركيين ـ أن يؤدي الى الحد من قدرة ايران على التأثير على لحظة التحول الحالية في العالم العربي.
ثالثاً، يسعى الأميركيون الى احداث ارباك عند صانعي القرار الايراني يشغلهم عن دعم النظام السوري في هذه اللحظات الحرجة من المواجهة بين سوريا والغرب، لا سيما بعدما بدا أن النظام استعاد زمام المبادرة.
رابعاً، يرتبط الاتهام وما سبقه من اعداد للرأي العام الأميركي حول اقتراب الخطر الايراني ـ الحزب اللهي الى الأراضي الأميركية، وكذلك ما لحق الاتهام من حديث أوباما عن أن “كل الخيارات متاحة”، كل هذا يهدف الى اشعار النظام الايراني أن ادارة أوباما قررت وضع الخيار العسكري جدياً على الطاولة وأنها تعمل على اعداد الرأي العام الأميركي لذلك، ما لم تتراجع طهران عن سياستها النووية. الا أن هذه المحاولة لن تمر على أحد حيث أن واشنطن أبعد ما تكون عن خيار الحرب في هذه اللحظة لجملة أسباب داخلية وخارجية. لذا يقدّر الباحث ميشال روبين أن تستغل واشنطن الحادثة لمزيد من العقوبات على ايران لتشمل البنك المركزي، بل وربما يصل الأمر بفعل الضغوط السياسية الداخلية الى مواجهة عسكرية صغيرة ربما تشمل بعض عناصر البرنامج النووي الايراني.
خامساً، تسعى واشنطن الى اعادة التماسك للموقف الدولي تجاه طهران بعدما ظهرت مؤشرات عدة على تراخي هذا الموقف لا سيما من قبل الصين وروسيا.
سادساً، وعلى المستوى السعودي الذي كشفت سرعة تلقفه للاتهام الأميركي بشكل كاد أن يسبق الاتهام ذاته الى شراكة سعودية كاملة في تلفيق التهمة. تأمل السعودية من هذا الاتهام ممارسة ضغوط استباقية لردع طهران عن التدخل بعمق في الملف البحريني، وكذلك بسبب القلق السعودي المتصاعد عن تحركات المنطقة الشرقية. يشعر السعوديون أنهم محاصرون بجملة تهديدات جادة، من البحرين، المنطقة الشرقية واليمن والعراق (لا سيما مع قرب موعد الانسحاب الأميركي المفترض)، لذا قرروا التصعيد في محاولة لموازنة الضغوط الايرانية. كما لا يغيب الهم السوري عن أذهان السعوديين اذ كان من اللافت مسارعة دول مجلس التعاون في ظل صدمة الاتهام لايران، الى دعوة مجلس الجامعة لاجتماع عاجل لمناقشة الأحداث في سوريا رغم أن هذه الأحداث تبدو في تراجع واضح.

في ظل محدودية الخيارات العسكرية بوجه محور المقاومة سيكثف الأميركيون وحلفاؤهم من السعي لاستخدام أدوات أكثر نعومة وخبث، وهو ما يستوجب ان يصمم هذا المحور أدوات استجابة أفضل لهذه المواجهة لا سيما على المستوى الاعلامي، السياسي، والدبلوماسي. الأميركيون مربكون الا أنهم يستميتون لاستعادة المبادرة، في المقابل يجب على قوى محور المقاومة أن تدرك حجم الفجوة بين التهويل الأميركي وقدراته الحقيقية، اذ يرغب الأميركي أن يبقى هذا المحور مسكوناً بهاجس الحرب المفترضة فيما هو يحشد على جبهة أخرى، جبهة الحرب الناعمة.

حسام مطر
باحث في العلاقات الدولية

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *