الهوية اليمنية والمرتزقة الأميركيون

06/07/2015

موقع العهد، 8 حزيران 2105

 

 

أصبح مؤكداً أن السعوديين دخلوا الحرب على اليمن من دون “إستراتيجية خروج” واضحة.  فات السعوديين أنه قبل التخطيط لبدء الحرب لا بد من التخطيط لكيفية الخروج منها. هذا القصور له مسبباته مثل فقدان التجربة والانفعال والمراهقة السياسية. ربما تكون “الهوية اليمنية” هي العامل الأساسي في فشل العدوان السعودي، وهذا يشير الى أن السعوديين فشلوا في قراءة اليمن، أي جارهم الأقرب والأكثر حساسيةً بالنسبة إليهم.

 

 
يبدو أن أحد الافتراضات الأساسية للعدوان السعودي على اليمن كانت “هشاشة الهوية اليمنية” التي سرعان ما ستنفجر وتشظي البلد وتسمح بعزل “أنصار الله” في الجبال مجدداً. كان المراد من هذا الكم من العنف المادي والتحريض المذهبي تحطيم الهوية اليمنية لصالح الهويات المذهبية والقبلية والجهوية داخل اليمن بما يسمح بانكشاف “أنصار الله” أمام الهمجية السعودية. أي أن السعوديين حاولوا استنتاخ تجارب المشرق العربي الأخيرة التي أدت الى تفتت الهوية الوطنية تحت وطأة العنف وتضخيم المظلوميات وإشاعة الخوف.

 

 
كما جرى الترويج بخصوص حزب الله والحشد الشعبي بأنهما فصائل مذهبية عميلة لإيران تستهدف أهل السنة والجماعة. وجرى تكرار ذات التأطير بخصوص “أنصار الله” في اليمن. إلا أن نضج الهوية الوطنية اليمنية وتماسكها بسبب سطحية الشروخ المذهبية بين الشافعية والزيدية ـ  وعوامل أخرى طبعاً – أدى الى نتائج معاكسة لما خططه السعوديون. العدوان السعودي لم يؤد الى انقسام المجتمع اليمني بل فقط الى خروج أقلية يمنية عن الإجماع الوطني والالتحاق بالسعوديين، فيما تماسكت باقي شرائح المجتمع اليمني وإن فقط على فكرة رفض العدوان ومواجهته.

 

 

 

هذا التماسك أدى الى تمكن أنصار الله من منع العودة لتقسيم اليمن كما خطط السعوديون، ومنح أنصار الله والجيش اليمني القدرة على حسم معارك متعددة بعيدة عن الشمال اليمني، وأتاح صمودا شعبيا إسطوريا رغم وحشية ومدى العدوان. وبالتالي هذا كله خلق إمكانية يمنية للمبادرة الهجومية. الهجمات البرية والصاروخية الأخيرة اليمنية على الحدود السعودية لم تخلق حتى الآن توازن ردع متبادل بين الطرفين، إلا أن نتائجه هامة جداً سواء في إذلال آل سعود، وكشف حقيقة القوة السعودية أمام شعبها، ورفع مخاطر وكلفة العدوان بشكل نسبي، وهذا كله ذو نتائج سياسية في الداخل السعودي وخارجه.

الأميركيون بدورهم يجدون في الحرب السعودية جائزة ترضية، وجرعة مسكنات، ولجام ضبط للانفعال السعودي من سياسات أوباما الإقليمية. يفصح مسؤول أميركي منخرط في الشرق الأوسط في دردشة جانبية على هامش مؤتمر عقد منذ أيام أن الأميركيين يزودون السعوديين بالمعلومات الاستخباراتية ولوائح الأهداف والدعم اللوجيستي، فالسعوديون أعجز بكثير من القيام بهذه الحملة الجوية بمفردهم، يقول الدبلوماسي الأميركي. ولكن الأهم هو كشفه وجود تعاون سري بين السعودية وشركات أمنية أميركية خاصة تقوم بتأمين طيارين أميركيين متقاعدين لقيادة طائرات سلاح الجو السعودي، أي مرتزقة أميركيون يشاركون في الهجمات السعودية على اليمن وأهله.
العدوان السعودي نجح في الانتقال من معاداة طرف يمني الى معاداة اليمن كدولة ووطن، وعلى المدى المتوسط والبعيد سيدفع السعوديون ثمناً باهظاً لذلك لا سيما إن أصروا على أدوارهم الإقليمية الحالية. من البحرين الى المنطقة الشرقية الى العراق واليمن، وعلاقة مضطربة مع مصر، تبدو السعودية “لوح ثلج” وسط الجحيم. أمام هذا الواقع، هل سيندفع السعوديون الى محاولة بناء شريط أمني في داخل الآراضي اليمنية لتخفيف مخاطر التوغلات اليمنية والضغط العسكري على أنصار الله في لحظة التفاوض الحالي؟
العنف المقنن والخاضع لأجندة سياسية واقعية يمكن أن ينتج نفوذاً وحضوراً، لكن العنف السعودي هو في العكس تماماً.  العنف المفرط الذي تنشره السعودية في كل محيطها، لا يمكن إلا أن يقلص في قوتها، إنه عنف تدميري ولكن دون أي قابلية بناء، ولا بد أن تزحف “رمال الفوضى” الى الواحة السعودية التي تختزن الكثير من التوترات الكامنة. في بداية الحرب حاول السعودين تحقيق إنتصار ميداني ففشلوا، فتقزم الهدف في المرحلة الأخيرة الى محاولة الحصول على “صورة انتصار”، إلا أن استمرار العدوان بالشكل الحالي  سيفقدهم حتى تلك الصورة المنشودة

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *