التآمر الخارجي على سوريا: العراق السبب والحل

06/12/2013

نُشرت هذه المقالة عبر موقع الإنتقاد بتاريخ 22-12-2011

لا تتوخى هذه المقالة البحث في أسباب الأزمة الداخلية، ليس لانعدام أهميتها، بل لمحاولة التركيز على متغير خارجي أساسي مؤثر حتى على الحراك الداخلي، بما يعني عدم إنكار الأسباب الداخلية للأزمة، بل لإزالة الغشاوة عن المآرب الحقيقية للقوى الخارجية التي تتلطى خلف مبررات داخلية.
من البديهي القول إن الأنظمة الخليجية والقوى الغربية لا سيما الولايات المتحدة تتوق الى إسقاط النظام السوري ليس بدافع الديموقراطية وحقوق الإنسان طبعاً، بل لحسابات إستراتيجية وجيوبوليتيكية، من دون أن يعني ذلك أن هذه الأطراف تتحرك من منطلقات متماثلة. قد يسارع البعض الى إستنكار مقولة هذا التباين في المنطلقات باعتبار الأنظمة الخليجية مجرد وكيل وملحق بالسياسات الأميركية، إلا ان هذه المقولة تتجاهل معطى أساسياً ألا وهو أن حلفاء واشنطن في المنطقة يعيشون لحظة “الهجر الأميركي” ويدركون أن واشنطن لم تعد قادرة أو راغبة في العمل كشرطي للمنطقة، وأن أولوياتها أصبحت في مقلب آخر بعيداً عن الشرق الأوسط، أي في الشرق الأقصى. ولذلك بدأ حلفاء واشنطن بشكل عام والخليجيون بشكل خاص بالسعي الى محاولة بناء مسارات خاصة وإن لم تكن متناقضة مع مسارات واشنطن إلا ان لها قدرا من الخصوصية وذلك للدفاع عن وجودهم وبقائهم كأنظمة سياسية هشة ومضطربة، وبالمناسبة يأتي في هذا السياق الإعلان السعودي عن نية المملكة إطلاق برنامجها النووي قريباً.

من هنا يمكن القول إن لكل من الخليج وواشنطن وتركيا مآرب مختلفة بشأن إسقاط النظام السوري، إلا أن جميعها تنطلق من النتيجة التي خلصت إليها المواجهة الإقليمية ـ الدولية في العراق، والتي كرست عراقاً ما عاد يقبل أن يكون مجرد بيدق خليجي ـ أميركي لمواجهة طهران. فالعراق بثرواته، تعدده العرقي والمذهبي، إمتداده الجغرافي، وإرثه التاريخي يشكل قلب الشرق الأوسط، ويكفي أن تنظر الى أربعة من جيرانه لتدرك معنى ذلك، إيران، تركيا، السعودية، وسوريا. لكل ذلك لن يكون من السهل على خصوم طهران التسليم بالنتيجة التي تحققت، أي ان يصبح قلب المنطقة “مقاوم الهوى”.
إذاً ما يحصل في سوريا مرتبط بما حصل في العراق ولكن بخلفيات متعددة من دون ان تكون متناقضة.

يرى الأميركيون والإسرائيليون بأن إسقاط النظام السوري يعني “قطع الأفعى من العنق” وبالتالي يصبح “نصر إيران” في العراق غير ذي جدوى. أما من ناحية الأتراك فإن التحول العراقي أخلّ بتوازن القوى لصالح إيران وأغلق على تركيا المعبر العربي الثاني بعد سوريا بنظام حليف لطهران في بغداد، ويأتي ذلك بعدما فقدت تركيا الأمل بالتمدد أوروبياً، والحضور الروسي المتزايد في القوقاز ومنطقة بحر قزوين.

أما في ما يخص دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هاجسها من التحول في العراق ليس مرتبطا باكتمال الوصل مع سوريا ولبنان بدرجة أولى، بل بوصول النفوذ الإيراني الى حدود دول الخليج، وهو ما تفسره الأنظمة الخليجية على أنه إتصال الدولة الشيعية المركزية بالمجتمعات الشيعية في الخليج. لطالما كانت تنظر هذه الدول الى العراق باعتباره “دولة عازلة” أو “الدولة الحاجر” بينها وبين إيران كما كانت إيران نفسها “دولة عازلة” لفترة من الزمن بين الوجود الروسي والبريطاني في المنطقة. وقد لعب صدام حسين دوراً كبيراً في تحقيق هذا “الهدف الوظيفي” من خلال إقامة نظام حديدي شمولي معادٍ لإيران والشيعة، ولذا رغم الإيديولوجية البعثية وجنون صدام لم تتوانَ هذه الإنظمة عن مدّه بكل ما يلزم لمواجهة إيران. واليوم يستشعر الخليجيون انهم متروكون لمصيرهم في مواجهة طهران، وأن جل ما يمكن للولايات المتحدة فعله هو بيعهم سلاحاً لا يعرفون إستخدام معظمه، في حين أن دور العراق “الدولة الحاجز” قد سقط.

بناءً عليه، وبالنظر الى أولوية سوريا بالنسبة لإيران من جهة، وعجز القوى المنافسة لطهران عن إسقاط النظام بالمدى المنظور وتشرذم هذه القوى من ناحية ثانية، يُرجح أن تنعقد التسوية في العراق وسوريا، والتي يريدها الإيراني من دون حصة للأميركي “المهزوم”، ولكن مباشرة مع السعودية وتركيا من دون أي دور لواشنطن. لطالما دعا الإيرانيون قوى المنطقة للجلوس والتفاهم حول الخلافات الإقليمية ولكن الشرط الإيراني بعدم إشراك الأميركي كان المانع الأكبر لنجاح هذه الدعوات. يعتقد الإيرانيون أن جزءاً كبيراً من مشاكل المنطقة وتوتراتها سببه الوجود الأميركي، وأن التسوية ستكون أسهل في ظل غيابه، بل وربما تؤسس هذه التسوية الى بيئة إقليمية جديدة ومتوازنة، ولذا يتم الإنتظار لما بعد الانسحاب من العراق. قد يجد البعض في هذا السيناريو كثيراً من المثالية، إلا أنه ينبغي التذكير بأن الإصرار على إسقاط النظام السوري يعني ببساطة تدمير المنطقة.
حسام مطر

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *