واشنطن – طهران: خضوع الإيديولوجيا… الشرق الأوسط في زمن ما بعد المحاور

06/09/2015

نشرت هذه الورقة في مجلة شؤون الاوسط، العدد 151، عدد ربيع\صيف 2015، ص: 9-24

 

المقدمة

 

العلاقة الإميركية – الإيرانية هي تجسيد لعلاقة تنافسية بين قوة إقليمية صاعدة تتحدى نفوذ قوة هيمنة عالمية ضمن نطاق جيو – إستراتيجي محدد. يشكل التوصل للإتفاق النووي بين القوتين درساً عظيماً في العلاقات الدولية ويمكن من خلاله إختبار العديد من الفرضيات والتساؤلات. لا يشكل الإتفاق نهاية التنافس بل يضبطه ضمن سقف عقلاني كإنعكاس لتوازن القوى بينهما. القوتان الأميركية والإيرانية بحاجة لسنوات من التبريد وإستجماع الأنفاس. فرادة هذا التنافس هو مقدار الخطاب الإيديولوجي الذي ساد في سردية العلاقة بين البلدين، لدرجة تم وصف العداء بين البلدين “بالعداء المؤسسة”.

إلآ انه بالنهاية تقدمت فرضيات “الواقعيين” ومبدأهم الأسمى المسمى “توازن القوى” الذي يثبت صحته مجدداً في التنبؤ في سلوكيات الدول. القوى الكبرى والقوى الإيديولوجية – على السواء – لا يمكنها في النهاية معاندة وقائع القوة المادية وتوازناتها. والولايات المتحدة كقوة هيمنة في لحظة تراجع لم تغامر بالهروب نحو الأمام وشن مزيد من حروب بوش الوقائية، بل أعادت ترتيب أولوياتها وترشيد مواردها وترشيق سياساتها، وهذا بدوره تماثل مع نماذج تاريخية سابقة للأمبراطوريات الآفلة.

إن مقاربة أوباما الحالية هي مقاربة الضرورة، أي أن ما يفعله أوباما هو ببساطة الإقرار بالتوازن الاقليمي القائم. إذاً الحاجة الأميركية لتبريد المنطقة، مع ضرورة الإقرار بالنفوذ الإيراني دفعا الأميركي نحو مقاربة تهدف “لدمج” إيران بالنظام الإقليمي الذي يجري إعداده، بما يمنع إيران من السعي أو القدرة على مزيد من التمدد الإقليمي لسنوات قادمة. أما من ناحية طهران، فتجد أن هذا الإقرار الأميركي وفي ظل الظروف الحالية يضمن لها حصاد الحد الممكن من المكاسب بعد 30 عاماً من “نثر البذور”.  يجد الإيرانيون أن خلق نظام إقليمي بدور إيراني ريادي، وفي ظل ما يمنلكونه من معطيات قوة، سيؤمن لهم فرصاً واسعة لتعزيز الروابط الإقليمية وتقليص إعتماد دول المنطقة على الرعاية والضمانات الأميركية.

 

1. ما قبل الإتفاق: رؤى وتصورات

 

 

ما هي الظروف والدوافع التي سادت مرحلة ما قبل الأتفاق لدى الدولتين؟ كيف قاربتا البيئة الإسترايجية في الشرق الأوسط؟ ما هي المعضلات والهواجس التي دارت في عقول أصحاب القرار؟ منطلق الإجابت هي في إشارة أوباما  في فذلكة إستراتيجية الأمن القومي 2015  الى مبدأ “الصبر الإستراتيجي” من خلال الإستثمار في بناء عناصر القوة الأميركية بدل القفز مباشرة الى الصراعات حول العالم ومحاولة تحقيق نتائج سريعة. وتلفت هذه الإستراتيجية الى أن  “البيئة الإستراتيجية” الدولية اليوم تعاني من السيولة، ولذا لا بد من اعتماد مجموعة من الأولويات المتتوعة والمتوازنة بدل تركيز السياسة الخارجية الأميركية على إقليم واحد أو تهديد وحيد.

 

1.1 أوباما السمسار: مخاطرة محسوبة لفرصة كبرى

 

ليس خفياً أن استراتيجية أوباما الشرق أوسطية هي محاولة نقل الولايات المتحدة من دور الخصم والعدو المتورط في صراعات المنطقة، الى دور “السمسار” أو “الوسيط”. أي الانتقال من كون الصراع بين الولايات المتحدة و”متطرفين”، الى صراع بين قوى محلية متطرفة وأخرى معتدلة، أي إلى حرب أهلية داخل الحضارة الإسلامية وليس بين الحضارات (الإسلام – الغرب)، بما يمكّن الأميركي من تقديم نفسه كوسيط في هذه الحرب الأهلية متربحاً من طرفيها. إلا أن هذا الربح مقيد بضرورة أخذ جملة من مطالب الحلفاء بعين الاعتبار، واستعياب إيران في المعادلة الإقليمية.

 

 

سعي أوباما لتكييف دور الولايات المتحدة من الهيمنة المباشرة الى “السمسار” يبدو خياراً عقلانياً في ظل ما واجهته القوة الأميركية من انتكاسات منذ العام 2000. الهيمنة المباشرة أدت الى عملية استنزاف لكل عناصر القوة الأميركية، فيما يضمن دور “السمسار” نفوذاً وتأثيراً أميركياً مستداماً بكلفة منخفضة نسبياً، ولكن أيضاً بمكاسب أميركية أقل. أي أن هذا التحول الأميركي لم يكن خياراً إلا بفضل ما لحق بها من ضربات من محور المقاومة وحصول تحولات موازية في النظام الدولي ككل.

 

 

لخص أوباما مقاربته للإتفاق النووي خلال مقابلتين مع الصحافي توماس فريدمان (5 نيسان 2015 و 14 تموز 2015)، موجزاً والأبعاد والإنعكسات. يعيد أوباما التأكيد على “مذهبه” تجاه الشرق الأوسط والذي يمكنني تلخيصه بالتالي: الولايات المتحدة بحاجة لرعاية توازن قوى إقليمي يمنع خصومها من الهيمنة ويتساكن مع حد أدنى من طموحاتهم بما يؤمن إستقراراً إقليمياً قدر المستطاع مع إبقاء السيطرة على نقاط التوتر التي لا بد منها، وحينها يمكن لواشنطن التركيز على تحديات وتهديدات أكثر جدية خارج المنطقة. من هذا الفهم يمكن تفسير مجمل سياسات أوباما إتجاه إيران، سوريا، العراق، وحلفائه العرب و”إسرائيل”.

 

 

تقوم فلسفة أوباما بخصوص الصفقة مع إيران على أن أميركا بما تتمتع به من قوة عارمة يمكنّها من إختبار مخاطر محسوبة بهدف محاولة خلق فرص جديدة مهمة. ولذا يجب الإنخراط والإنفتاح على إيران ولكن الى جانب ضمان الحاجات الإستراتيجية الجوهرية، أي “إنخرط مع الحفاظ على مقدراتك” كما يوجز أوباما. أي أن منطق أوباما قائم على مجازفة محدودة مع إيران من خلال مساكنتها والإنفتاح عليها والإقرار بدورها لربما يؤدي ذلك الى “تدجين إيران”، وبالتوازي تستمر واشنطن في تعزيز قدرات الردع الخاصة بها وبحلفائها، ولذا في حال فشل الخطوة تجاه إيران لن يكون هناك من ضرر، فلماذا لا نختبرها، يقول أوباما.

 

 

1.2 حلفاء واشنطن بين الإسترضاء والإلحاق

 

قدّم مارتين إنديك – نائب رئيس معهد بروكينغز –اقتراحاً للرئيس الامريكي باراك أوباما حيال إستراتيجية أميركية مناسبة للتعامل مع الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط (العودة للعبة الشرق الأوسط الكبير، 18 شباط 2005). ينطلق إنديك من واقع أن أوباما لا يمتلك إستراتيجية متكاملة للشرق الأوسط، بعكس ما كانت عليه الحال منذ نهاية الحرب الباردة، بل يعمل “على القطعة”. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سادت إستراتيجية ثلاثية القوائم: التسوية العربية – الإسرائيلية الشاملة، الاحتواء المزودج لإيران والعراق، والتحالف مع أنظمة الاستبداد العربية.

 

 

بعد 2001 تداعت هذه القوائم الثلاث، مما أدى لإندلاع حالة من الفوضى المحفزَة بثلاثة صراعات تغذي بعضها بعضاً، الصراع السني – الشيعي، الصراع السني – السني، والصراع مع إسرائيل كما في غزة، جنوب لبنان، والآن في الجولان. الإشكالية بحسب إنديك، أنه كيف للولايات المتحدة معالجة هذه الحال من دون تدخل بري وفي ظل تراجع أهمية مصادر الطاقة الشرق أوسطية بالنسبة للولايات المتحدة؟ يرفض إنديك خيار الانسحاب من المنطقة لأن الفراغ الناتج سيملأه “لاعبون سيئون”، مثل إيران. إذاً ما هي البدائل؟

 

 

يعتقد إنديك أنه من غير الممكن التوصل لصفقة شاملة مع إيران تتجاوز الملف النووي، ولذا لا بد من العودة للتحالف القديم مع الأنظمة التقليدية، مصر، السعودية، تركيا، وإسرائيل، لموازنة إيران حول المنطقة. هذه العودة ستعيد الثقة بالولايات المتحدة بما يضمن انخراط الحلفاء السنّة بمواجهة داعش والقاعدة. ما يدعم هذا الطرح أن أنظمة الخليج الملكية ومصر وإسرائيل قد طورت إحساساً مشتركاً بالخطر تجاه إيران وحزب الله وداعش.

 

 

يحاجج إنديك إن واشنطن يجب أن تكتفي بتسوية مع إيران فيما يخص النووي فقط، ثم تذهب لاحتوائها وموازنتها عبر حلفائها من خلال تأمين مظلة ردع نووية لهم، وغض النظر عن ممارسات النظام المصري في الداخل، والتقرب من السعودية من خلال تجاهل الإخوان المسلمين وتركيا والتشدد أكثر مع “نظام الأسد”، ومحاولة السعي لحل المشاكل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من خلال “مبادرة السلام العربية” بما يفتح الإمكانية لإقامة إطار أمني إقليمي يشمل إسرائيل وعرب الاعتدال بشكل علني ورسمي.

 

 

إذاً في حال إنجاز تسوية تقتصر على الملف النووي بالتوازي مع بناء هذا الإطار الإقليمي الذي يقلص نفوذ إيران يمكن تحقيق “انفراج” مع إيران في بعض القضايا التكتيكية مثل مواجهة داعش والانتقال السياسي في سوريا، في مقابل بقاء الاحتواء والتنافس في القضايا موضع الخلاف. بالمحصلة تكون الولايات المتحدة قد تمكنت من إعادة بناء نظام إقليمي أميركي جديد في المنطقة مع حلفائها التقلديين الذين سيتحملون مسؤوليات أكثر من ذي قبل مع ثقة متزايدة بالولايات المتحدة للعمل معاً.

 

 

الإشكال على طرح إنديك أن المأزق الأميركي الحالي نتج بجزء أساسي منه عن التحالف مع الأنظمة العربية التقليدية الاستبدادية، فما الذي تغير لتصبح هي الحل؟ هنا يحاول أوباما تقديم مقاربة أكثر واقعية تجاه الحلفاء من خلال تمتين التحالف الأمني – العسكري ( أي إستعداد واشنطن لبيعهم سلاحاً أميركياً لا يحتاجونه فعلياً بدل إنفاقه في مشاريع التنمية والنهوض المحلي أو الإقليمي. إذاً تلتزم واشنطن مع حلفائها العرب ولكن من جيبتهم)، وفي ذات الوقت تحميلهم مسؤولية نشوء “داعش” بسبب الإستبداد المحلي.

 

 

“فالسكان في بعض الحالات، مهمشون، الشباب عاطلون عن العمل، وأيديولوجية مدمرة وعدمية. ولذا من مهمات أميركا ليس فقط تقديم الدعم أمام التهديدات الخارجية بل ايضا السؤال عن “كيف يمكننا تقوية الجسم السياسي في هذه الدول، بحيث أن الشباب السني يشعر أن هناك خيار أخر غير اللجوء لداعش”، يقول أوباما. ويكمل أوباما صفعته قائلاً أن التهديد الداخلي هو الأساسي لهذه الدول وليس خطر الغزو الإيراني. أي أن أوباما يدعو حلفاءه للكف عن تصدير مشاكلهم الى الخارج، وبذلك يعيد أوباما الكرة الى ملعب حلفائه ليستكمل خطوته الإيرانية.

 

 

يعتقد أوباما وفريقه أن أنظمة حلفاءه في المنطقة تفتقد المرونة أمام تحديات داخلية مقبلة لا مفر منها. يريد الأميركيون إدخال إصلاحات محدود الى هذه الأنظمة تحقنها بالمرونة للإستجابة للتحديات وتردم الفجوة بين سلطة مترهلة رجعية ومجتمع يتغير ويتحول وإن ببطىء. الهدف من هذه الإصلاحات حماية هذه الإنظمة لتبقى وكيلاً مستقراً للولايات المتحدة، “هذه ستكون محادثة قاسية ولكنه أمر يجب القيام به”، قال أوباما من باب الإدراك “بخشبية” هذه النخب الحاكمة. (راجع مقابلته مع توماس فريدمان في نيويورك تايمز، نيسان 2015)

 

 

 

 

1.3 سردية الإمبراطورية الفارسية

 

 

على المستوى الإيراني، تجد طهران أنها وصلت لأقصى ما يمكن تحقيقه في تحدي الولايات المتحدة ضمن الظروف الحالية، ولذا لا بد من حصاد وتثبيت المنجزات بنيل إعتراف العالم بدورها الإقليمي وبرنامجها النووي. العقوبات والإشتباك الإقليمي الحاد وضع الجمهورية الإسلامية أمام الحاجة لتسوية تضمن تنشيط مشروعها مجدداً في الداخل والخارج. الإنقسام والإشتباك المذهبي الحاد أضر الإيرانيين بقدر لا يقل عن ضرر العقوبات، وجزء من الحاجة الإيرانية للتسوية مع الأميركيين هي في تبريد المنطقة وأسباب إحتقانها وإحداث خرق في العالم السني ووقف المد الوهابي.

 

 

يطرح أعداء طهران سردية تدعم رفضهم للتسوية ومفادها أن إيران ستسفيد من الإتفاق النووي لتنشيط مشروع الإمبراطوري، فهل تريد إيران بناء “إمبراطورية فارسية” فعلاً؟ في الواقع إشكالية خصوم إيران ومحورها هي أنهم يحللون إيران ويحاولون فهمها وفق نظريات وفرضيات مضى عليها الزمن كما في أطروحة “بناء الإمبراطورية”. هذا فيما يخصّ من هم ذوو النية الحسنة. أمّا النخبة الوكيلة للولايات المتحدة والمعادية لإيران فهي عاجزة عن بناء أي مشروع إقليمي معاصر قادر على بناء توافق مصالح بين شعوب المنطقة، ولذا تراهن على أن بث العداء المفرط لإيران عبر الأضاليل المذهبية والعرقية يمكن أن يكتّل حولها نخبًا وشعوبًا منهكة يتم إرضاؤها ببعض “فتات” النفط وأوهام الغرائز.

 

 

يدرك الإيرانيون أن زمن الإمبراطوريات قد ولّى، وأن السياسة الدولية والإقليمية أكثر تعقيداً وتشظياً بكثير من القدرة على إحتوائها بفكرة إمبراطورية. جزء من هذا الإدراك الإيراني نابع من معاينتهم عن كثب – بل لمساهمتهم حتى – في انهيار فكرة “الإمبراطورية الأميركية” خلال السنوات العشر الماضية. الإمبراطورية لا يمكن أن تتحقق إلا بتفوق عسكري ساحق قادر على إخضاع كل مراكز القوى الأخرى في الإقليم، وهذا في حالة إيران ضرب من الخيال.

 

 

من يراقب السياسة الإيرانية يدرك أنها أكثر أهتماماً ببناء قوتها الناعمة، من خلال تقديم أنموذج جذّاب وكذلك سردية واقعية للتعايش الإقليمي. يحاول الإيرانيون من خلال تجربتهم إقناع شعوب المنطقة بأن خيار بناء دولة وطنية سيدة ومستقلة سياسياً وثقافياً عن الغرب خيار ممكن، وهو رهن بالإرادة السياسية والشعبية. واقعاً، كان البرنامج النووي الإيراني مهماً لإيران من ناحية إقتصادية وأخرى رمزية باعتباره عنواناً لتحدي الغرب والنهوض الوطني المستقل والمقتدر والمعاصر للدولة الإسلامية، أي أنه جزء أساسي من قوة إيران الناعمة لا العسكرية. ومن غير المنطقي أن يقدم الإيرانيون هذا “الأنموذج الإستقلالي” لشعوب المنطقة والسعي إلى إقناعهم به ثم يحاولوا بعد ذلك إخضاعهم لأي طموح إمبراطوري.

 

 

رؤية إيران الإقليمية تقوم على فكرة التكامل الإقليمي، أي بناء نظام إقليمي متعدد الطبقات (أمني – سياسي – إقتصادي) بين دول وشعوب المنطقة يضمن الأمن والرفاه والنهوض الحضاري بما يدخل المنطقة في علاقة ندية وشراكات متوازنة مع القوى الدولية. بطبيعة الحال إن إيران تطمح إلى لعب دور قيادي في هذه المنظومة الإقليمية، وهو طموح يحق أن تشاركها فيه قوى أخرى مثل تركيا ومصر والعراق وحتى السعودية. لكن أين العقبة الجوهرية أمام هذا المشروع الإقليمي؟. تكمن هذه العقبة في غياب الدول الإقليمية المستقلة سواء كونها تعرضت للتدمير الإستعماري الممنهج أم تسلط نخب فاسدة وكيلة للاستعمار على دول أخرى.

 

 

هذا ما يبرر دعم إيران قوى المعارضة والمقاومة في المنطقة، لأن هذه الأنظمة الوكيلة تقف في وجه الاستقلال الوطني، وبالتالي تعيق إمكانية التكامل الإقليمي، ومن ناحية أخرى قامت هذه الانظمة بالإشتراك المباشر في محاولة تدمير التجربة الإيرانية خدمةً للأميركيين (كما حالة دعم حرب صدام حسين على الجمهورية الإسلامية). إذاً، المشكلة الأساسية بين إيران وبعض النخب الإقليمية الحاكمة لا علاقة لها بالمذاهب والأعراق بل المشكلة في  موقف ودور هذه النخب الذي يدمر المنطقة من داخلها، ويمنعها من النهوض، ويحاول القضاء على كل تجربة إستقلالية كما حالة إيران أو المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

 

 

لطالما كررت إيران الدعوة الى إنشاء نظام إقليمي مع دول الخليج مثلاً لإدارة الأمن المشترك بالحد الأدنى إلاّ أن السعودية على وجه التحديد كانت تصر على كون الولايات المتحدة جزءًا أساسيًا من هذا النظام. وأيضاً كان رفض الإيرانيين القاطع للتفاوض مع الإميركيين في أي شأن خارج الملف النووي نابعًا من رؤية إيرانية أنه من الأفضل التفاوض مع القوى الإقليمية مباشرةً، وتبادل المصالح معها وبناء تفاهمات مشتركة أفضل من “الدفع” للأميركيين ما لا يستحقونه. فيما الإميركيون يفضلون أن تكون إقامة هذا النظام بيدهم ويرعوا من خلاله حواراً خليجياً – إيرانياً ويضبطونه تحت سقف مصالحهم.[2]

 

 

السؤال المطروح: ما هو المنطق أن تنال الولايات المتحدة حصصاً ومصالح في المنطقة على حساب شعوب دول مثل مصر والسعودية والعراق؟ يريد الإيرانيون أن يكون التوافق إقليمياً مباشرةً وليس عبر القناة الأميركية، كي تذهب عوائد ذلك التوافق الى شعوب المنطقة، التي ما إن تختبر أثار ونتائج التكامل الإقليمي ستتشجع النخب الحاكمة على مزيد من التعاون والإنخراط في شراكات مع إيران وسواها بعيداً من أضاليل المذاهب والأعراق.

 

 

يمتلك الشرق الأوسط كل عناصر التكامل الإقليمي بين دول تمتلك موارد طبيعية ضخمة (طاقة، معادن، أراض زراعية، شواطىء، مياه) وأخرى موارد بشرية وبنية تحتية صناعية، وأسواق داخلية كبيرة، إضافة إلى المخزون الثقافي الهائل، بما من شأنه جعل المنطقة من أكثر الإقاليم نمواً وإزدهاراً على مستوى العالم. طموح إيران الإقليمي هو التشارك مع تركيا وقوى إقليمية عربية لقيادة هذه المنظومة من التعاون والتكامل الإقليمي الذي تعترضه الولايات المتحدة بكل ما تستطيع. إن إصرار بعض النخب الإقليمية على معاداة إيران مجاناً لن يمنع إيران من مزيد من النهوض كما يتضح، بل يعني أن الولايات المتحدة ستجني المكاسب على حسابهم ثم تكرههم على مساكنة إيران بقليل من الفتات وكثير من العنتريات البلهاء.

 

 

 

2.      ما بعد الإتفاق: أفاق وتداعيات

 

الإطار العام لرؤية أوباما هي في إستعياب إيران ضمن النظام الإقليمي  الجديد وتكبيلها بالتشبيك الإقتصادي والتوازن الأمني. كتب روبرت هانتر عام 2010 دراسة هامة في مؤسسة “راند” بعنوان “إعادة تشكيل البنية الأمنية في الخليج”، أثار خلالها جملة إشكالات حول إيران، هل ستكون هذه البنية مجهزة ضد إيران أو لإشراكها؟ ما حدود الدور الأميركي – الغربي في هذه البنية؟ وهل يكون رد إيران بالتعاون النسبي أم الرفض أو الإزدواجية بحسب كل قضية؟ فما ستكون إجابات الطرفين الأميركي والإيراني على هذه التساؤلات في مرحلة ما بعد الإتفاق.

هذه المحاولة الأميركية ليست منطلقة من فراغ، بل تستند الى التجربة الأميركية في شرق آسيا حيث تجهد واشنطن لإحتواء الصعود الصيني. في ظل غياب أي إمكانية عسكرية لمعالجة صعود الصين، قام الأميركيون بدعم بناء نظام إقليمي ومؤسسات إقليمية تشجع التعاون المشترك مع الصين وتظهر لها المكاسب البعيدة الأمد، بما يقيد قدرة الأخيرة في التوسع العسكري. أي تؤمن واشنطن لحلفائها غطاءً وتوازناً عسكرياً من خلال الحضور المباشر، فيما تشجعهم على إمتصاص الصعود الصيني وعقلنة طموحاتها من خلال المؤسسات الإقليمية والتكامل الإقتصادي (التجارة البينية تشكل 53% من نسبة التجارة الخارجية لدول المنطقة).  إلا أن محاولة واشنطن إستنساخ تجربة مماثلة في الشرق الأوسط تواجهها جملة عقبات أهمها فقدان البنى التحتية (المادية والثقافية) لنظام أو بنية أمنية وإقتصادية إقليمية.

 

2.1 ضرورات عالم يتغير

 

السؤال الأساسي: لماذا قرر أوباما (والاتجاه الذي يمثل في الولايات المتحدة) – الذي ثبت أنه قرار واقعي وليس من باب المناورة – إطلاق مسار لانفراج العلاقات مع إيران. حين تقوم القوة الأولى في العالم بخطوة بهذه الجرأة والضخامة في إقليم محدد يصبح من الواضح أن حساباتها تتجاوز الإقليم ذاته. اليوم تثبت فرضية أن هاجس الأميركيين الفعلي هو صعود قوى دولية جديدة خارج الشرق الأوسط. هذا الهاجس هو محدد أساسي في سياساتهم الدولية. الولايات المتحدة محكومة لتحدي صعود آسيا وانزياح مركز الاقتصاد الدولي باتجاهها. توازن القوى في أوراسيا هو ما يشغل العقل الأميركي. التوازن داخل أوراسيا سيحدد مستقبل النظام الدولي ودور الولايات المتحدة فيه، وهذه عملية ستدوم على الأقل حتى العام 2030.

 

 

يريد الأميركيون “تسييج” أوراسيا بطوق يقيّد من حركة الصين وروسيا باتجاه العالم، وعليه لا بد من محاولة إدماج إيران مستقبلاً في هذا الطوق بدل أن تتحول لرأس جسر صيني – روسي باتجاه العالم. الخطوة الأميركية تجاه إيران هي جزء من فكرة “الانحراف نحو آسيا” التي حملها أوباما منذ أيامه الأولى. أغلب الظن أن أوباما كان يملك تصوراً عاماً حول العرض الذي سيقدمه للإيرانيين بخصوص الملف النووي منذ وصوله للبيت الأبيض، إلاّ أن أنه تفرّغ في ولايته الأولى لإعداد الظروف والبيئة اللازمة لدفع الإيرانيين للقبول بعرضه بثمن مقبول (تشديد العقوبات – استنزاف إقليمي)، وأصبحت “صفقته الكبرى” جاهزة للعرض في نهاية تلك الولاية كما توقع حينها روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن.

 

 

إن كانت الولايات المتحدة محكومة لتحولات كبرى خارج الشرق الأوسط الذي تراه منطقة شديدة التعقيد وعالية المخاطر من دون قدرة للاعب منفرد على الهيمنة عليه، فلا بد إذاً من شريك إقليمي يسهم في استقرار المنطقة مقابل ثمن مقبول. هنا تبنّى أوباما مقاربة يمكنني تسميتها “إمنح – إمنع”، أي منح إيران الاعتراف النووي والإقليمي والانخراط معها حيثما يمكن، في موازاة ضبط مشروعها الإقليمي من خلال رفع ثمن طموحاتها الإقليمية ومنعها من الاستفراد أو الهيمنة في أي بقعة داخل المنطقة. وسبق أن قال جون كيري في جلسة الاستماع الخاص بالتصويت على تعيينه في وزارة الخارجية عام 2013، إن سياسة واشنطن تجاه طهران ليست العزل بل المنع.

 

 

تمكّن الإيرانيون وحلفاؤهم من تحقيق توازن قوى منحهم حق الشراكة في المنطقة. وقد سبق أن دعا رضا مراشي في “الفورين بوليسي” إدارة أوباما الى الانخراط مع إيران كونها تحتاجها في سبع مسائل ضمن أمنها القومي هي: الانتشار النووي، مكافحة الإرهاب، سوريا، العراق، أفغانستان، أمن الطاقة، والصراع العربي “الإسرائيلي”. في المقابل نجح أوباما في تحويل العقوبات الى أداة لاتفاق متوازن وليس لإخضاع الإيرانيين، أي كانت العقوبات جزء من استراتيجية واقعية في ظل إدراك أوباما لمحدودية القوة العسكرية الأميركية.

 

 

هكذا يكون أوباما طبّق نصائح “بريجينسكي” في أن العقوبات لن تجدي إذا كان الهدف منها إذلال الإيرانيين او دفعهم للتخلي بالكامل عن مشروعهم النووي، لأنه حتى لو قلت (أوباما) إنه من غير المقبول أن تتملك إيران قدرات نووية، فأحياناً تكون الكلمات الكبيرة لا تعني شيئاً. بناء على هذه القيود الواقعية، يصر الإيرانيون أنهم لا ينتظرون إعترافاً أميركياً بإيران بل “قبولاً بالواقع” وهذا الذي حصل، كما يقول كيهان بارزيغر، مدير مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية.

 

 

إذاً إدارة أوباما مهتمة بإقامة بنية أكثر استقراراً في المنطقة تضمن مصالحها الحيوية وتتيح إمكانية “عقلنة” الثورية الإيرانية بتشبيك اقتصادي مع حلفاء واشنطن في الغرب وفي المنطقة. في المقابل يجد الإيرانيون في الاتفاق فرصة لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها المنطقة من خلال التلاعب بحسابات كل القوى الإقليمية التي ستجد أن الصدام مع طهران – القنبلة الاقتصادية لا النووية – مكلف جداً وفيه إضاعة لفرص ثمينة في ظل وطأة الضغوط الشعبية الداخلية. يريد الأميركيون من الاتفاق تعزيز عوامل دفع إيران من “الثورة” الى “الدولة”، ويريده الولي الفقيه لإنعاش “الدولة” لتحفيز “الثورة”.

 

 

ثلاثة أشهر تقريباً تفصلنا عن دخول الاتفاق حيز التنفيذ، الذي يبدو شبه حتمي. إن فشل التصديق على الاتفاق في الكونغرس سيكون كارثياً على صدقية الولايات المتحدة وهيبتها حول العالم ويشرعن الفوضى والخروج على النظام الدولي الذي “تحرسه” واشنطن. الأميركيون معنيون بإظهار قوة نظامهم السياسي وتماسكه وفعاليته، إذ إن قوة الدولة في الخارج تبدأ من منزلها الداخلي. على الأغلب سيجد أوباما والكونغرس مخرجاً لتمرير الاتفاق، وإلا ستنتقل العزلة من طهران الى واشنطن بخصوص قضية إيران النووية.

 

 

توازن القوى هو الضابط الأبرز في سياسات الدول وليس الإيديولوجيا، فرغم أن الإيديولوجيا تساهم في تعريف المصالح الوطنية وتحديد أولوياتها، إلاّ أن الإيديولوجيا لا تعمل في فراغ بل تتحرك ضمن مساحات الممكن الذي يتيحه توازن القوى. أثبت الاتفاق فرضية عقلانية اللاعب الإيراني بعدما حاول الصهاينة ترويج فرضية إيران كلاعب مجنون انتحاري (بخلفية الانتظار المهدوي) بهدف تشجيع خيار الحرب على إيران. لم يتجاوز الإميركيون والإيرانيون عامل الفارق الإيديولوجي بشكل تام، إلاّ أنهم سمحوا لتوازن القوى بمد جسر رخو فوقه. مختلف التحولات المعاصرة جعلت الأنظمة السياسية شديدة التأثر بالضغوط الداخلية ما يحتم عليها حساسية عالية لخياراتها الخارجية.

 

 

 

2.2 تمزيق الجدار: عين على الداخل

 

يراهن الاتجاه الأوبامي في الولايات المتحدة على قوة النظام الدولي المعلوم، الخاضع لتأثير الولايات المتحدة، وقدرته على تطويع أي مجتمع من خلال جذبه ودمجه في هذا النظام ومن ثم تدويره وإعادة إنتاجه بشكل يؤدي الى تطويع “ثورية” أي نظام سياسي معادِ لواشنطن. وبناء على هذا الرهان يسعى أوباما الى خلق ثقب في جدار العداء مع هذه الأنظمة المعادية وإطلاق عملية تطبيع للعلاقات المتبادلة بهدف إيجاد “رأس جسر” عبر “نخبة محلية” داخل هذه الدول.

 

 

هذا “الثقب” يبدأ عبر تخفيض التصعيد والتراجع عن حافة الصدام بإجراءات واقعية (رفع العقوبات أبرزها)  وأخرى رمزية (الإقرار بندية الخصم، إظهار الاحترام لرموزه الثقافية، تقديم سردية تتجاوز التحدي نحو الانفتاح). هذا الاختراق سيسمح ببدء تدفق الأفكار والقيم والمصالح الغربية الى داخل هذه المجتمعات (استثمارات – تبادل اجتماعي – منح وهبات – تعزيز أدوات وآليات مخاطبة المجتمع المستهدف بلغته )، وتبدأ “النخبة المحلية – رأس الجسر” بالتمدد والتوسع وخلق شبكات مصالح ونقاط ضغط وأدوات تأثير لا سيما في أوساط مراكز القوى المالية، أقطاب ثقافية، وشباب الطبقات الوسطى المدنية. وحينها يصبح النظام السياسي شديد الحساسية للضغط الخارجي من الولايات المتحدة وصولاً الى احتمالات الانهيار أو المساومة.

 

 

بطبيعة الحال إن هذا السيناريو لا يقدم نتائج سريعة كونه يعتمد على تحول اجتماعي. إلا أن الأميركيين في ظل غياب أي أفق لقهر الجمهورية الإسلامية عسكرياً، لم يبق أمامهم إلا السعي لتغيير سلوك النظام على المدى القريب، وثم محاولة تغيير النظام ذاته على المدى البعيد. كان الحصار الغربي على إيران يؤدي الى نتائج داخلية معاكسة، إذ زادت من وحدة المجتمع والدولة، وقلّصت المسافة بين الديني والقومي، وبين الإصلاحي والمحافظ، وبدل عزل النظام الإيراني جرى عزل الشعب الإيراني عن التأثير الخارجي.هناك رهان أميركي أن أولئك الهاتفون “بالموت لأميركا” ليسوا على إلا القلة القليلة من شباب إيران.[3]

 

 

الهدف الأميركي الأساسي داخل المجتمع الإيراني هو الشباب، حيث يمتاز المجتمع الإيراني كونه من أكثر المجتمعات شباباً في العالم (35% من السكان هو من الفئة العمرية بين 15 – 29 سنة). تشير الدراسات الى تفضيل غالبية باب الطبقات الوسطى الانفتاح والتأثر بالقيم الغربية، ويؤدي هؤلاء دور “البؤرة الرخوة” التي يستهدفها الأميركي ابتداءً.  يدرك الأميركيون غنى المجتمع الإيراني ثقافياً وتميزه بالانفتاح والميل للاطلاع وسعيه للاحتكاك بالعالم للتعلم. ولذا يجد الأميركي في مجمل هذه الخصائص فرصاً للتأثير أهملتها العقوبات المفروضة من الغرب، كما حصل مثلاً في الهبوط الكبير في أعداد الطلاب الإيرانيين المتجهين للدراسة في الخارج.

 

 

إنطلق توماس فريدمان من تظاهرات التأييد للإتفاق في طهران للقول أن “الإيراننين يريدون أن يكونوا كوريا الجنوبية وليس الشمالية”. وينقل فريدمان عن كريم سجادبور أن الأيرانيون إختبروا الكثير من الأصولية الإسلامية لدرجة أصبحوا يرغبون بالقليل منها، وإختبروا بعض الديموقراطية لدرجة أصبحوا بحاجة للكثير منها.[4] فريدمان يستخدم هذه الحجج للتسويق للإتفاق أمام الجمهوريين، لكنها تعكس طموحات واقعية لدى الأميركيين.

 

 

إذاً يراهن الأميركي على أن فتح المجال للاحتكاك والتبادل الثقافي – العلمي – الاقتصادي مع الإيرانيين سيعزز من حضور الثقافة الغربية داخل إيران، وهي ثقافة تقع على نقيض ثقافة الإسلام الثوري في إيران. إن حصل الاختراق ستتوتر العلاقات بين المحافظين والإصلاحيين، بين الشباب وجيل الثورة، بين المجتمع المدني والمؤسسة الدينية، بين الأرياف والمدن، وبين الدولة والثورة. هذه التوترات يطمح الأميركيون الى أن تدفع إيران بالنهاية الى اختيار أن تكون “أمة” بدل أن تكون “قضية”، كما يعبر كيسنجر. في محصلة الطموح الأميركي أن يفشل “النظام الديني” في مجاراة الأجيال الجديدة المنجذبة ثقافياً للغرب، وفي ضبط طبقة المنتفعين من الاندماج في السوق الدولية، وتنفجر الجمهورية الإسلامية من داخلها.

 

 

بطبيعة الحال تدرك المؤسسة الإيرانية هذه المخاطر وقد اختبرت بعض آثارها سنة 2009، التي كانت بمثابة صدمة ضرورية.  تتعامل القيادة الإيرانية مع خطر الغزو الثقافي – القيمي الغربي بجدية توازي التهديدات العسكرية الأميركية. حتى أن صياغة مفردات هذا التحدي الثقافي – القيمي تنهل من القاموس العسكري، مثل “حرب ناعمة”، “جبهة مجازية”، “غزو ثقافي”. وهذه الصياغة متعمدة للإشارة لجدية التهديد وجسامته، ولشحن همم الشباب الإيراني للانخراط في هذه المواجهة.

 

 

منذ إضرابات 2009 جرت عملية تكييف واسعة لأجهزة الدولة للتعامل مع ما أصبح يعرف بـ”الحرب الناعمة”، حيث جرى خلق الاف المؤسسات داخل الدولة وخارجها، مدنية وعسكرية، وتم وضع رؤى وإستراتيجيات، وتخصيص موارد مادية وبشرية مهولة للتعامل مع هذا التهديد. مثلاً يجري تخصيص معارض فنية، إنتاجات إعلانية، دعايات ترويجية، مهرجانات أفلام، مسابقات ثقافية، مخصصة للشباب تحت إطار مواجهة “الحرب الناعمة”، مع تركيز واضح على “العالم الافتراضي” أو ما يعرف “بالجبهة المجازية”.

 

 

يقع الشباب في جوهر اهتمام “جبهة الحرب الناعمة” في الجمهورية الإسلامية، سواء من خلال عمليات التثقيف، الأدلجة، التعبئة، الشحن الروحي – الأخلاقي، خلق مساحات للتعبير والمشاركة الإيجابية، رعاية المواهب، والثقة بإمكاناتهم وإشراكهم بتحمل مسؤولية الثورة. حيوية الثورة الإسلامية لها علاقة بكيفية تعريف إيران لثقافتها الإستراتيجية، لدورها الإقليمي ورسالتها الإيديولوجية والأهم سياساتها الإقليمية. هذه الحيوية جذبت أغلبية الشباب الإيراني الى مسافة قريبة من الثورة، وبهم جددت حيويتها. هذه العملية ساهمت بخلق جيل شبابي كامل ثوري رغم أنه لم يشهد الأيام الأولى للثورة. القوة الناعمة لإيران تؤدي وظائفها في الداخل كما في الخارج، أي حفظ شرعية الثورة الإسلامية.

 

 

عوامل أخرى تسهم في امتصاص “الاختراق الناعم” الأميركي، نضج الهوية الحضارية للإيرانيين، الاعتزاز القومي، عراقة الثقافة الفارسية (الموسيقى مثلاً)، النموذج العصري للمشروع الإسلامي في إيران، نفوذ الحرس الثوري والباسيج الواسع في مفاصل المجتمع، مرونة المؤسسة الدينية وحيوية الحوزة الدينية وانفتاحها على المعارف الغربية، السلاسة النسبية للعملية السياسية، دور الدولة في العملية الاقتصادية، الرمزية الروحية -الدينية للعديد من المدن الإيرانية، دور الدولة في الضبط النسبي لتدفق المعلومات والتبادل الثقافي من ومع الخارج (تشريعات بخصوص الإنترنت والبث الفضائي)، رعاية الدولة للمجال الثقافي – الإعلامي وضعف المجتمع المدني. بالمحصلة، تعتمد الحكومة الإيرانية على وسائل ناعمة في أغلبها لمواجهة محاولات الاختراق الغربي، وتقتصر “التدابير الصلبة” على الحدود الدنيا، وهذا منشأ الفاعلية في هذه الحرب.

 

 

تعمل القوة الناعمة على المديين المتوسط والبعيد، ولذا من المبكر الحكم على نتائج هذه المواجهة وحدتها ومداها. مثلاً، يعترض الأميركيين تحدي تبدل الإستراتيجيات بين رئيس أميركي وآخر، إذ قد يطيح خليفة أوباما بكل هذه الجهود. يراهن بعض الأميركيين، كما كتب غراهام اليسون في مقالة للواشنطن بوست (2011)، على أن تكون الصفقة النووية مع إيران تكراراً لخطوة ريغان تجاه غورباتشوف بعد إعلان الأخير مرحلة جديدة من الانفتاح والتي تلقفها ريغان عبر دعوة غورباتشوف من برلين الى ” تمزيق الجدار” وهو ما حصل بعد سنتين.

 

 

في المقابل، سيشكل هذا التحدي “الناعم” أبرز معوقات كسر العداء مع واشنطن من جهة  القيادة الإيرانية، التي ترى في هذا العداء ركناً في شرعيتها الثورية والإسلامية. سيحاول الإيرانيون تغطية “الثقب” الذي يحاول الأميركيون النفاذ منه للداخل الإيراني، “بمصفاة” تضمن عبور الماء لكن من دون “أوساخه”. وبعد أسابيع (17 آب 2015) من الإتفاق صرح الإمام الخامئني بما يؤكد هذه الهواجس، قائلاً:

” يتوهّمون أنه بإمكانهم عبر هذا الإتفاق – الذي ليس معلوما أن يتم إقراره هنا أو أن يُقرّ هناك – كانت نيّتهم العثور من خلال الإتفاق على طريق لاختراق البلاد. نحن سددنا هذا الطريق. سنسدّ هذا الطريق في وجههم بشكل حاسم. لن نسمح باختراق اقتصادي لأمريكا في البلاد ولا اختراق سياسي ولا اختراق ثقافي، سنواجه هذه الإختراقات بكل ما نملكه من قوة – والحمد لله أن هذه القوة كبيرة اليوم -.”

 

 

 

2.3 الخروج من النفق الإقليمي؟

 

السؤال الذي يشغل بال المتابعين هو عن تداعيات الاتفاق النووي إقليمياً؟ هل سيؤدي الى تسوية إقليمية؟ جزئية أم كاملة؟ أم أنه سيؤزِّم الصراع في المنطقة؟ تأثير الاتفاق إقليمياً يكمن في كونه سينتج صعود القوة الإقتصادية الإيرانية، انفتاح المجال الإيراني أمام فرص هائلة للاستثمارات الأجنبية، توفر موارد ضرورية لتنشيط السياسات الإيرانية الإقليمية، خلق فوائض إيرانية للاستثمار الاقتصادي في الإقليم، انخراط إيراني في عمليات تشابك وتبادل اقتصادي – تنموي واسعة مع قوى دولية وإقليمية. أي بالمحصلة، سيخلق الاتفاق مجموعة مصالح واسعة بيد الإيرانيين تجعلهم في موقع تفاوضي أفضل من خلال رفع كلفة معاداتهم وزيادة مزايا التوافق معهم.

 

 

هذه المعطيات لن تلقى بالطبع تفسيراً واحداً لدى القوى الإقليمية، فبقدر ما يهم ما تمتلك ايران، يهم أيضا كيف يفسر الآخرون ما تمتلك، هذه التحولات سيجد فيها البعض فرصاً والبعض الآخر تهديدات. ستتعدد التفسيرات بلحاظ علاقات القوى الإقليمية مع إيران، وهي علاقات تنقسم الى دوائر عدة، الحلفاء، المترددين، والمنافسين.

حلفاء إيران هم قوى شعبية تتقاطع معها إيديولوجياً – استراتيجياً، ودول منخرطة بدرجات متفاوتة في شراكة استراتيجية مع إيران (العراق وسوريا). المترددون هم على علاقة مضطربة مع طهران ولكن دون عداء إيديولوجي أو تنافس استراتيجي مباشر بل يقدرون أن التقارب معها مكلف بلحاظ ما (مثل مصر ودول المغرب العربي). المنافسون، وإن حضر التنافر الإيديولوجي في العلاقة مع طهران بشكل ما، إلا أن المحدد الرئيس في العلاقة هو التنافس الاستراتيجي على الدور والنفوذ في الإقليم، وهم منقسمون بين منافس مرن براغماتي (تركيا) ومنافس متصلب بسبب قوة العامل الإيديولوجي وبنية النظام (السعودية).

 

 

سيجد الحلفاء فرصاً إضافية لتعميق الشراكة مع إيران ولتحسين مواقعهم في التوازنات، فيما سيبحث “المترددون” عن قنوات لاستجلاب منافع إيرانية من دون عملية إعادة تموضع سياسية بارزة على المدى القصير، أي أن الواقفين على “خط التماس” سيراجعون حساباتهم بشأن القطيعة مع إيران. بينما يبقى السؤال المعقد هو بخصوص المنافسين، هل سيسعون لموازنة إيران أم الإقتراب منها؟ ولكي يكون السؤال أكثر دقةً، كيف يمكن أن يؤثر الاتفاق في التحالف التركي – السعودي بوجه إيران؟

المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية يمكن أن تتنبأ بأن السعودية والأتراك مضطرون للسعي لتمتين علاقاتهم لموازنة إيران- ما بعد العقوبات. السعودية بالتحديد لديها المصلحة والإرادة والموارد لبناء تكتل “سني” حولها سواء عبر تمتين تحالفاتها ومعالجة خلافاتها مع الإخوان المسلمين في المنطقة وإستلحاقهم بها. شخصيات إخوانية من أقطار عربية عدة بدأت بالتوافد وعقد لقاءات مع القيادة السعودية برعاية تركية – قطرية.[5]

 

 

في هذا السياق تحاول السعودية وتركيا رعاية إتفاق “حمساوي – إسرائيلي” لهدنة طويلة الأمد كبديل عن تسوية شاملة غير ممكنة حالياً. الإتفاق سيفتح المجال لموجة تطبيع عربية مع الصهاينة ويرمي حماس في حضني تركيا والسعودية معاً، ولن تكون حماس بعدها بحاجة لمجاملة إيران وحزب الله، وستتعرض حركة الجهاد لمضايقات قاسية، بمقابل إتاحة دور للسلطة في القطاع لكن ليس بما يتجاوز حماس التي ستبقى قوة الأمر الواقع الأساسية. هذه الصفقة تضمن للسعودية دمج إعلى للصهاينة في التكتل الإقليمي المعادي لإيران وإبعاد إيران عن رمزية القضية الفلسطينية.

 

 

من ناحية الأتراك، لا مناص لهم من استمرار التحالف مع السعودية، وسيبقى الحال كذلك الى أن يحققوا إنجازاً يتصورون من خلاله أنهم حققوا نوعا من التوازن الإقليمي بعد خيبتهم الكبرى في مصر. إلا أن الفرص الاقتصادية الكبرى والتشبيك المتواصل مع “إيران – ما بعد العقوبات” سيقلص من قدرة العدوانية التركية ويجعلها أكثر حذراً. على صعيد السعودية، ستجد نفسها بحاجة للتخفيف من الدوافع الإيديولوجية وتثقيل الاعتبارات الجيو-استراتيجية في علاقتها مع إيران. عملية الحوار غير المباشر بين البلدين بقنوات أميركية – روسية لا بد من أن تصل إلى حوار مباشر قاس وصعب ومعقد، إلا أنه مدخل ضروري لإيجاد صيغة للمساكنة الإقليمية.

 

 

سيكون الأتراك أكثر قدرة على إبتزاز السعوديين في القضايا الثنائية موضع الخلاف أو التنافس، بالتحديد سوريا ومصر وغزة. أي قد يضطر السعوديون الى تقديم حوافز متزايدة للأتراك لضمان التزامهم بعيداً عن “الإغواء” الإيراني، أي بكل الأحوال سيكون السعودي مضطراً لتنازلات إما لخصمه أو لحليف الضرورة. قد تتجسد هذه التنازلات السعودية في ترك مجال ودور متزايد للأتراك في المجال السوري، في مقابل دور سعودي رئيس في العراق واليمن. ولا زال للتركي مطالب في مصر تتيح عودة الإخوان المسلمين للعملية السياسية، وهنا يقف السعودي محرجاً، فالضغط على السيسي بشكل مكثف سيشجعه على خطوات انفتاح تجاه إيران.

 

 

بالمحصلة، ستجد السعودية نفسها أمام تحديات وتعقيدات متزايدة لإدارة تحالفاتها التي ستصبح مرهقة بمرور الوقت، وهذا من شأنه “عقلنة” السعودية في علاقتها مع إيران، ويصبح الحوار الثنائي مطلوباً وربما ضرورياً. سرعة هذه التحولات واتجاهها مرتبط أيضاً بالاستراتيجية الإيرانية، التي على الأرجح ستسعى لخلق ثغرات لاختراق التوتر وجذب المنافسين في مقابل التشدد في ساحات أخرى حيوية. الإشكال الحيوي، هو في عامل الوقت، أي أن هناك أشهر عديدة قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ وبدء ظهور تجلياته، ولحينها يكون أوباما على وشك مغادرة الرئاسة الأميركية. الانعكاسات الإقليمية للاتفاق ستبقى مرهونة نسبياً بخليفة أوباما ومقاربته الإقليمية، وهو ما يراهن عليه بعض “الصقور” الخليجيين والصهاينة لتفجير مسار التبريد الأميركي – الإيراني.

 

 

 

الخلاصات

 

وصلت القوتان الأميركية والإيرانية الى إدراك أنهما حققتا أقصى الممكن بظل الظروف الراهنة، ولذا أصبحت المواجهة المحتدمة في ظل إقليم متفجر، عملية غير عقلانية. الإتفاق النووي يكرس فرضية المدرسة الواقعية حول أثر توازن القوة في رسم سلوكيات الدول. الدول الكبرى تتجه نحو مزيد من الإدراك لحدود تفوقها العسكري، والقوى الإيديولوجية – الإسلامية تحديداً –  تتجه نحو مزيد من الوعي الإستراتيجي.

المنطقة لا تتجه لنظام أحادي بزعامة إيرانية، بل الى نظام متعدد القوى الإقليمية ذات علاقات دولية متداخلة ومركبة. عملية تكييف الإقليم مع الاتفاق النووي ستكون طويلة وبطيئة ومتوازية مع استقرار التوازنات. مجمل القوى الإقليمية في مرحلة استكشاف لحدود القوة، لإمكانات التفاهم، لمخاطر الانفجار، ربما هي مرحلة ضرورية لعقلنة التصورات والأهداف لدى هذه القوى. تشبيك المصالح الاقتصادية الإيرانية في المنطقة قد يشكل فرصة لكثيرين للخروج من أوهام الدعاية المذهبية، ويخلق أرضية لبنية أقليمية فيها الخير لشعوب المنطقة. إيران خرجت من النفق، ماذا عن الآخرين؟

 

 

ستكون العلاقات الإيرانية الأميركية أمام إختبارات وتحديات دائمة، تبعاً لتحولات محلية (أبرزها هوية الرئيس الأميركي المقبل، من سيربح الإنتخابات التشريعية الإيرانية المقبلة)، ضغوط الخطاب الإيديولوجي، وتبدلات ميزان القوى الإقليمي، وسلوكيات القوى الإقليمية الآخرى. الإيرانيون يريدون ثقب للولوج نحو العالم، الأميركيون يسعون لثقب للولوج نحو الداخل الإيراني، ولكن الفارق يمكن في قدرة إيرانية أكبر على ضبط “جدرانها” بالمقارنة مع قدرة الولايات المتحدة على إعادة إيران الى “سجن” العقوبات.

كل هذه التحولات تفرض على الإيرانيين إعادة صوغ مشروعهم الإقليمي الذي إستند دوماً على مواجهة الهيمنة والإحتلال، ليمتد الى مجالات جديدة تلامس حاجات مباشرة لسكان المنطقة. الأغلبية العظمى من شعوب المنطقة وأنظمتها لا تجد في مواجهة الأميركيين أو القضية الفلسطينية أولوية وربما هدف بالأصل، وعليه ليس المطلوب من الإيرانيين تبديل هذه الأولوية بل “تطعيمها” بركائز يمكن أن تستقطب شركاء أكثر من باب المصالح وليس الإيديولوجية فقط. الإيرانيون بحاجة لتقديم مشروع تفصيلي أو رؤية تفصيلية رسمية لمقترحاتهم بخصوص التعاون الإقليمي والتشبيك الإقتصادي والأمني.

 

 

في ظل عداء النظام الرسمي العربي لإيران، إضطرات الأخيرة غالباً لتعويض ذلك من خلال علاقات ما دون دولتية (أحزاب – حركات مقاومة – نقابات – مجتمع مدني- شخصيات)، إلا أن هذا المسار لم يعد مستداماً.  سيمتلك الإيرانيون فرصاً حقيقية لكسر الجمود في علاقاتهم البينية مع كثير من دول المنطقة، المطلوب فقط بداية خلق أطر مصالح متبادلة لا سيما إقتصادية، إذ أن كل نظم المنطقة تواجه ضغوط إقتصادية جدية وتخشى تأثيرات ذلك على شرعيتها الشعبية. في هذا السياق قد يكون من المفيد لإيران الإستفادة من قنوات “سنية” من دول خارج العالم العربي (كونها أقل خضوعاً للـتأثيرات المذهبية) لفتح مجالات حوار وتقارب مع بعض الدول العربية. وهذا التحدي يطرح إشكالاً بخصوص إمكانية بقاء الخطاب الإيراني متركز على تقسيم المنطقة بين محورين، المقاومة والهيمنة، أم أن رؤية تتجاوز سياسة المحاور أصبحت بدورها ملحة؟

 

 

وتبقى الكثير من الإسئلة التي بحاجة لمراقبة ومتابعة خلال الفترة المقبلة منها، كيف ستعمل إيران على إستيعاب الإتفاق إقتصادياً – سياسياً لتضبط تأثيراته في داخلها؟ هل ستفضل إيران التدرج في الإنفتاح الإقتصادي لتضمن السيطرة الداخلية على نتائجه أم ستكون مدفوعة للعجل بفعل الحاجة والتحديات الداهمة؟ كيف سيؤثر الإتفاق على توازن القوى بين تيارات الإصلاحيين والمحافظين في إيران في إستحقاقي الإنتخابات البرلمانية والرئاسية؟ الى أي مدى سيضبط الإتفاق مستوى العنف في المنطقة ويفتح المجال لإنخراط دول إقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية في أطر تعاون مع إيران وبأي مستوى؟ هل سيؤثر خروج إيران من عزلتها في إضعاف التحالف السعودي – التركي على المدى المتوسط، أم ستستمر السعودية قادرة على ضبط هذا التحالف؟

 

 

ختاماً، الدرس الإيراني للساعين للتحرر من ضغوط الهيمنة وإقامة مشاريع تحرر واستقلال وطني توجزه  العبارات التالية: “استجمع، اصبر، انتظر، استثمر”. استجمع واستغل كل عناصر القوة الممكنة (في الداخل والخارج) بما يتلاءم مع ميزاتك وخصوصياتك، اصبر واثبت – قدر الاستطاعة وبمرونة – حين تنقض عليك قوة الهيمنة لمنعك من كسر حلقة التبعية، انتظر التحولات التي سيفرضها منافسون آخرون على قوة الهيمنة (سواء من داخلها أو خارجها) وهي تحولات دائمة ومن طبيعة التنافس الدولي لا سيما في عصر العولمة الحالية، وحينها استثمر واحصد ما حافظت عليه من منجزات بأي قدر كان، ثم كرر العملية مجدداً.

 

[2] أنظر مثلا، فريدرك ويري، ريتشارد ساكالسكي، تجسير التواصل بين دول الخليج في الخليج: السلام الإقليمي بعد إتفاق إيران، الفورين بوليسي، 14 حزيران 2015

[3] أنظر مثلا، روبين رايت، الموت لأميركا والصفقة مع إيران، صحيفة نيويوركر، 30 تموز 2015

[4]  توماس فريدمان، دعم رهاننا مع إيران، نيويورك تايمز، تموز 22، 2015

[5] أنظر مثلا، كريستين ديوان سميث، الإعداد المحدود للإخوان المسلمين في الخليج، معهد الدول الخليجية في واشنطن، ترجمة موقع “مرأة البحرين”، 11 آب 2015

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *