هل يخشى الغرب برنامج إيران النووي أم النبوي؟

07/12/2013

نشرت هذه المقالة على موقع الإنتقاد بتاريخ 28\2\2012

ما زال برنامج إيران النووي يثير جملة من التساؤلات والاستفهامات الكبرى لا سيما حول طبيعته، هل هو عسكري كما تدّعي “إسرائيل” والولايات المتحدة، أم أنه ذو طابع سلمي كما تؤكد طهران لا سيما بعد فتوى قائد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي. إنطلاقاً من هذا السجال تظهر الإشكالية التالية، إن لم يكن برنامج إيران النووي عسكرياً، فكيف يمكن فهم تحمل طهران كل هذه الاعباء كثمن له؟ إن الإجابة عن هذه الإشكالية يمكن أن تعالَج من خلال مقاربتين تؤدي كل منهما الى نتيجة مخالفة للأخرى.

إن الفهم الغربي إجمالاً للملف النووي الايراني ينطلق من “مقاربة عقلانية” تؤدي الى التشكيك في الموقف الإيراني المعلن حول سلمية ملفها النووي. إلا أنه إن تمت مقاربة هذا الملف من منظار مختلف يستند الى ارتباط الملف النووي بالهوية القومية والدينية للجمهورية الاسلامية لأصبح من الممكن الوصول الى فهم أفضل للتصميم الإيراني على امتلاك قدرات نووية سلمية رغم التكاليف الجمة المترتبة على ذلك.

ينطلق أصحاب المنظار العقلاني من مسارين اقتصادي وأمني، فمن الناحية الاقتصادية يرفض هؤلاء مقولة إن حصول إيران على الطاقة النووية السلمية سيؤمّن لها ميزات اقتصادية أساسية لا سيما في مجال توليد الطاقة والأبحاث العلمية المتقدمة، ويردون بأن إيران دولة غنية بالموارد النفطية سواء النفط أو الغاز الطبيعي، ومن ناحية أخرى فإن العقوبات الاقتصادية الدولية والأحادية المتزايدة على إيران وما تتركه من أضرار على قطاع الطاقة بشكل أساسي هي أكبر بكثير من الميزات الاقتصادية المتوقعة من البرنامج السلمي.

أما من الناحية العسكرية وبحسب الفهم الواقعي، أي مدرسة القوة، فإن الغاية من امتلاك قدرات نووية هي إما زيادة القوة أو الأمن من خلال تأمين قدرة ردع إستراتيجية. إلا أن الوقائع تظهر أن هذا البرنامج النووي لا يزيد ايران أمناً، بل العكس تماما نظراً لما يستجلبه من تهديدات اميركية ـ إسرائيلية جديّة وتسلح جنوني في محيطها الإقليمي، وبالتالي فإن فرضية سلمية الملف النووي تسقط باعتبارها فرضية غير واقعية ولا عقلانية ما يستدعي الاحتمال بالطبيعة العسكرية للبرنامج النووي، وهو ما يشجع طهران على القبول بكل هذه الأعباء والتكاليف.

إلا أنه رغم أهمية نظرية “الخيار العقلاني” وقدرتها على تفسير جملة من الظواهر والقرارات الاجتماعية والفردية إلا أنها محدودة بجملة من القيود والفراغات التي تضعف قوتها التفسيرية، وأبرز هذه القيود العقائد والقيم التي تنتج تصورات ومقاييس مختلفة حول التكاليف والأرباح. وعليه وباعتبار البعد الديني والتاريخي للجمهورية الإسلامية فإنه لا بد من محاولة فهم برنامجها النووي انطلاقاً من مقاربة قيمية تستند الى الهوية التاريخية والدينية لإيران، وتشتمل هذه المقاربة على ثلاثة مفاهيم، الاستقلال، العدالة، والمقاومة. لقد تجذرت هذه المفاهيم في الخطاب والفكر الايراني لا سيما منذ انتصار الثورة الاسلامية عام 1979، وهذا التجذر يمكن ان يفسر الثبات النسبي للسياسة النووية في كافة العهود الإصلاحية والمحافظة على السواء.

فيما يخص مفهوم الاستقلال فإنه ذو بعد تاريخي، قومي وديني، فإيران أو ما كان يعرف بالإمبراطورية الفارسية قد اتصفت “بتاريخ حضاري مجيد” أنتج كماً هائلاً من الكبرياء القومي، إلا أنها عانت من الغزاة الأتراك والمغول ما أنتج عندها “عقدة الضحية”، بالإضافة الى ذلك كان هناك تدخلات واحتلالات القوى الغربية، لا سيما روسيا وبريطانيا ولاحقاً الولايات المتحدة. هذه المكونات الثلاثة أفرزت حساسية ايرانية عالية تجاه مفهوم الاستقلال لا سيما بعد انتصار الثورة وما طرحته من ضرورة تحقيق الاستقلال ضمن سياسة “لا شرقية ولا غربية” وعدم الخضوع والتبعية للقوى الكبرى وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بالإضافة الى تقديم نموذج إسلامي حضاري، مشع وفريد. كل هذا يجعل من مفهوم الاستقلالية إحدى أهم ركائز السعي للحصول على قدرات نووية سلمية، وقد صرح الإمام الخامنئي بأن “الجمهورية الإسلامية حققت إنجازات عدة في المجال النووي على الرغم من كل الضغوط، وستقوم بكل ما هو ضروري للتوصل إلى استقلالية علمية وتكنولوجية في هذا المجال”.

كذلك تربط ايران تصميمها على امتلاك برنامج نووي بمفهوم العدالة الذي يعتبر ركناً جوهرياً في الخطاب الايراني والذي تغذيه التجربة التاريخية والفكرية للمذهب الشيعي. فالنظام الدولي قائم على ازدواجية المعايير وسيادة الظلم المقونن وهذا يتجسد في البرنامج النووي الاسرائيلي وغيرها من مفاهيم الامن النووي التي جوهرها التمييز ومنطق القوة. فممارسة إيران لحقها النووي هي تكريس عملي لمفهوم العدل الذي يعتقد النظام الإسلامي انه المفهوم الجوهري لإقامة الحق وممارسة السلطة لا سيما على صعيد إدارة الشؤون العالمية. وقد كررت طهران مراراً أنها تضع شرط العدل والاحترام كمقدمة لأي حوار مع القوى الكبرى.

إلا ان المفهوم الأكثر قوة ووضوحاً هو “المقاومة”، الذي يتولد من واجب الجهاد بالمعنى الديني وضرورة المواجهة حتى مع اختلال موازين القوى المادية، وهو ما كانت النهضة الحسينية مصداقه الأبهى، وهي الملحمة التي أبدع الإيرانيون فيها أدباً وفكراً وفناً والتزاماً. ويتجسد هذا المفهوم في الموقف الإيراني الرافض للهيمنة الاميركية والاستكبارية وسحق الشعوب المستضعفة، والمنادي بحتمية النهضة الانسانية الكبرى للمستضعفين التي تستلزم أعباءً وتضحيات كبرى لا غنى عنها، وبهذا تكون ايران بكل ما تتحمله من تبعات بسبب برنامجها النووي انما تسعى لتكريس منطق الرفض والمقاومة، وتقدم بذلك نموذجاً متقدماً في هذا المجال. وبناءً على هذه المقاربة يمكن القول إن طهران لن تتراجع قيد أنملة عن أصل “الحق النووي”، إلا أنه يمكن أن تبدي مرونة في وسائل تكريس واستخدام هذا الحق، وذلك على مثال الاتفاق الإيراني ـ التركي ـ البرازيلي حول تبادل الوقود النووي.

من ناحية واشنطن، فإن المقلق بالضبط هو هذه القيم الإيرانية الإسلامية المتمثلة بالسعي للاستقلال الكامل، والاقتدار، ورفض التبعية ومساندة الشعوب في الوقوف بوجه الهيمنة والسعي لبناء نظام إقليمي خارج السطوة الغربية، ويضمن مصالح وثروات شعوب المنطقة، أي بالخلاصة إقامة نموذج حضاري، عادل، ومقتدر للحكم الإسلامي. أما البرنامج النووي فلا ضير به إن ارتضت إيران خيار التبعية والالتحاق بسياسات واشنطن، أليس الغرب هو من دعم مشروع الشاه النووي حينما كان يلعب دور شرطي الخليج؟! في هذا السياق انتقد ستيفن كينزر في “الفورين أفيرز” سياسة العصا والجزرة التي تتبعها الولايات المتحدة بوجه طهران، معتبراً ان هذه المقاربة تنفع مع الحمير وليس مع أمة هي أعرق بعشرة أضعاف من الولايات المتحدة وتبحث عن الكرامة والاحترام واستعادة الكبرياء الضائع. بهذا المعنى، إن أكثر ما يقلق واشنطن وحلفاءها ليس مشروع إيران النووي، بل مشروعها النبوي.

حسام مطر

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *