“محور السوس” في النظام الدولي الأميركي

01/06/2014

مجدداً يحتدم النقاش حول «ديمومة» النظام العالمي الجديد الذي أعقب نهاية الحرب البادرة، هذه المرة على ضوء الصراع الروسي ـ الغربي في أوكرانيا، والنزاعات المتأججة بين الصين وأغلب جيرانها، والتوترات التي تلتهم الشرق الأوسط وتوطد النفوذ الإيراني فيه. هل صحيح أن سلوكيات الدول الثلاث الصين، روسيا وإيران، التي تتقارب بوتيرة متزايدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تسعى للإطاحة بالنظام الدولي أم مجرد تعديل موازين القوى فيه؟ هل ان النظام الدولي الحالي متماسك رغم الوهن الذي يعتريه أحياناً وهو عصي على الإطاحة؟ هل تشهد الساحة الدولية انفجاراً للصراعات الجيوبوليتيكية أم أن النظام الدولي لا يزال يفرض قواعد اللعبة الناظمة له؟
يحاجج والتر مييد، بروفيسور الشؤون الخارجية بكلية Bard في الولايات المتحدة الأميركية، بأن الاندفاعات والطموحات المستجدة لكل من روسيا والصين وإيران تشير الى عودة ظهور لعبة القوة التقليدية والجيوبوليتيك في محاولة لتغيير النظام الدولي. إن أدوار القوى الثلاث أربكت النظام الأوراسي لما بعد الحرب الباردة، وهي وإن لم تنجح حتى اللحظة في تغييره، لكنها تهدد «الستاتيكو» الأوراسي القائم. في سياق مشابه يرجح كريستوفر هيل حصول مواجهة طويلة في أوكرانيا، لأن روسيا تتحدى «العالم الحر» كله وليس أوكرانيا وحدها. لذا فضلاً عن العقوبات يجب حشد البنى الأمنية لعملية جذب طويلة الأمد لأوكرانيا نحو الغرب. (نهاية النظام الدولي الجديد، بروجيكت سينديكيت، 21 نيسان 2014).
إلا ان مييد يعتقد أنه رغم اشتراك القوى الثلاث في الرغبة في الحد من النفوذ الأميركي، غير أنها تفترق حول عدة مصالح استراتيجية داخل اوراسيا ، وهو ما يرجح أن تتنافس في ما بينها مستقبلاً. (والتر روسيل مييد، العودة الى الجيوبوليتك: ثأر القوى الرجعية، فورين أفيرز، أيار 2014). بل ان إيمانويل والشتين، انطلاقاً من أن «الوقائع الجيوبولتيكية أقوى من الفروقات الأيديولوجية»، يعتقد حتى بوجود قلق روسي ـ ألماني مشترك من تحالف صيني ـ أميركي محتمل مستقبلاً. (جيوبولوتيك الإنقسام الأوكراني، الموقع الشخصي لوالشتين، تعليق رقم 371، 15 شباط 2014).
تصدى جون إيكنبيري ـ بروفيسور السياسات والشؤون الدولية في جامعة برينستون ـ لأطروحة مييد ورفضها لأسباب عدة. فالنظام الدولي الحالي مستقر وثمين أكثر مما يتصور مييد وهو ما حداه للمبالغة في تقدير قوة وقدرة «محور السوس» على توهينه. ثم إن الصين وروسيا لا تهدفان إلى قلب النظام الدولي بل تستغلان بعض الظروف لتعديل موازين القوى فيه، لأن كلتا القوتين مندمجة ومستفيدة من النظام الليبرالي القائم ولا يمتلكان معا لا الرؤية أو الشرعية أو القدرة لصوغ نظام بديل. ثالثا، للولايات المتحدة أفضلية هامة، وهي أنها ليست مستنزفة في لعبة التوازن مع جيرانها، بما يسمح لها بتوجيه مواردها نحو ما وراء المحيطات. أما القوى الثلاث فغارقة في لعبة توازن قوى ضمن حيزها الإقليمي. فالصين وروسيا، بحسب إيكنبيري، محاصرتان بقوى «ديموقراطية» ناشئة ملتزمة بالنظام الدولي ومنخرطة فيه، وبالتالي أي محاولة لقلب هذه النظام سيضع روسيا في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها أيضاً.
ان الولايات المتحدة تقيم حوالي 60 شراكة عسكرية، بينما روسيا نسجت فقط 8 شراكات، والصين مجرد شراكة واحدة مع كوريا الشمالية. إن «صعود الطبقة الوسطى العالمية للدول الديموقراطية جعل من الصين وروسيا بمثابة الخوارج». وبرغم ما قام به بوتين في جورجيا، أرمينيا وأوكرانيا إلا ان روسيا ليست في حال صعود بل تختبر أعظم «انكماش جيوبولتيكي» تتعرض له قوة كبرى في العصر الحديث، كما يجادل إيكنبيري. بالخلاصة، على واشنطن تمتين النظام الدولي من خلال «الانخراط العالمي العميق» عبر التجارة، الأحلاف، المؤسسات المتعددة الأطراف والدبلوماسية، بما يمكن الولايات المتحدة من ضمان مصالحها من خلال دور «القيادة» وليس عن طريق ممارسة «القوة». (ج. جون إيكنبيري، وهم الجيوبولوتيك، القوة المستمرة للنظام الليبرالي، الفورين أفيرز، أيار 2014).
وقد سبق لإيكنبيري أن كتب مع زميليه ستيفن بروكس ووليم وولفورث دفاعاً عن الانخراط الأميركي العميق في النظام الدولي من باب أنه رغم تكلفة الانخراط إلا ان منافعه أكبر بكثير سواء في دعم استقرار النظام الدولي، وحفظ موقع أميركا في الاقتصاد العالمي، الحد من الصراعات الإقليمية، إضافة الى لجم اعداء واشنطن عن محاولة السعي لتحقيق توازن قوى بوجهها. إلا انهم لم ينكروا الحاجة الى تكييف السياسة الخارجية الأميركية مع الظروف والتحديات الجديدة وتجنيبها المغامرات الطائشة. (الانحناء للأمام، الفورين أفيرز، كانون الثاني ـ شباط 2013)
تبدو أطروحة «متانة النظام الدولي» التي يقدمها إيكنبيري أكثر واقعيةً بالعموم. إن كان يصح أن هناك دولا إضافية تندمج بالنظام الدولي وفقا للرغبة الأميركية لكنها في معظمها من الديموقراطيات الناشئة غير المستقرة سياسياً واقتصادياً. ويبدو أن تشتت القوة الاقتصادية العالمية بعيداً عن الثالوث التقليدي (الولايات المتحدة ـ اليابان ـ الاتحاد الأوروبي)، سيحفز مع الوقت القوى الصاعدة نحو مزيد من الجرأة، بالتعاون والتعاضد، في المطالبة بحصص وصلاحيات أوسع داخل النظام تتناسب مع مسؤولياتها وقوتها على حساب الولايات المتحدة. ثانياً وإن كانت القوى الثلاث تبدو «كالسوس» إلا ان كثيراً من الشجر يبدو عتياً أمام الريح غير أنه لا يملك المناعة الكافية أمام التآكل الداخلي، في عملية طويلة الأمد.
لحينه فإن تغيير توازنات القوى داخل النظام الدولي الحالي وتكريس التعددية والقضم من هيمنة الولايات المتحدة، بالتوازي مع تنمية مشاريع تكامل إقليمي ونسج شراكات عميقة بين الدول المتضررة من دور الولايات المتحدة الحالي، تبدو جميعها أهدافاً واقعية وضرورية وقابلة للتحقق ضمن المدى المنظور. من ناحية أميركا، فهي بحاجة لإشغال القوى الدولية المنافسة بالصراعات وإنهاكها بلعبة التوازنات من خلال حلفائها، لحين اكتمال عملية الترميم الداخلي لتصبح قادرة على إعادة تجديد هيمنتها على النظام الدولي. ربما أعظم إشكالية يعانيها خصوم الولايات المتحدة بشكل عام هي في مقولة لكيسنجر: الأمم لا تتعلم إلا بالتجارب… وعندما «تتعلم» أخيراً يكون الزمن قد فات على العمل.

 

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *