مارتن إنديك وأرنبه الجديد

03/03/2015

موقع العهد 20 شباط 2015

 

قدّم مارتين إنديك – نائب رئيس معهد بروكينغز – في مقالته منذ أيام اقتراحاً للرئيس الامريكي باراك أوباما حيال إستراتيجية أميركية مناسبة للتعامل مع الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط. ينطلق إنديك من واقع أن أوباما لا يمتلك إستراتيجية متكاملة للشرق الأوسط، بعكس ما كانت عليه الحال منذ نهاية الحرب الباردة، بل يعمل “على القطعة”. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سادت إستراتيجية ثلاثية القوائم: التسوية العربية – الإسرائيلية الشاملة، الاحتواء المزودج لإيران والعراق، والتحالف مع أنظمة الاستبداد العربية (يسميها الاستثنائية العربية بالإشارة الى قبول واشنطن التحالف مع أنظمة مستبدة مقابل ضمان استقرار النظام الإقليمي المهيمن عليه أميركياً).

 


بعد 2001، تحطمت هذه الأركان الثلاثة، انتهى الاحتواء المزدوج لصالح “تغيير النظام” في بغداد وطهران، سقطت بعض أنظمة الاستبداد ضمن “الربيع العربي”، وتعطلت التسوية مع إسرائيل بشكل كامل. كان البديل لهذه التحولات اندلاع حالة من الفوضى المحفزَة بثلاثة صراعات تغذي بعضها بعضاً، الصراع السني – الشيعي، الصراع السني – السني، والصراع مع إسرائيل كما في غزة، جنوب لبنان، والآن في الجولان.

الإشكالية بحسب إنديك، أنه كيف للولايات المتحدة معالجة هذه الحال من دون تدخل بري وفي ظل تراجع أهمية مصادر الطاقة الشرق أوسطية بالنسبة للولايات المتحدة؟ يرفض إنديك خيار الانسحاب من المنطقة لأن الفراغ الناتج سيملأه “لاعبون سيئون”، مثل إيران وغيرها، وسيلحق ضرر بإمدادت النفط لحلفاء واشنطن في آسيا وأوروبا بما يهدد استقرار الاقتصاد الدولي. إذاً ما هي البدائل؟

 

 


الطرح الأول، هو السير بتسوية شاملة مع إيران (يسميها إقامة عمارات مشتركة) تتجاوز الملف النووي وتشمل تقييد حزب الله وأنصار الله، والتخلي عن الرئيس الأسد كما جرى مع المالكي، ورفع الدعم عن حماس والجهاد الإسلامي، بما يفتح المجال لإقامة نظام إقليمي إيراني – أميركي. في التقييم، يذهب إنديك الى أن هذا السيناريو خيالي نوعاً ما لأن إيران ليست في وارد القيام بمساومة تتجاوز الملف النووي الى هذا المستوى، كما أن حصول ذلك سيدفع حلفاء أميركا بعيداً عن واشنطن ومصالحها. بالمختصر إنه طرح يفتقد للجدوى ومرتفع الكلفة.

 


الطرح الثاني: العودة للتحالف القديم مع الأنظمة التقليدية، مصر، السعودية، تركيا، وإسرائيل، لموازنة إيران حول المنطقة. هذه العودة ستعيد الثقة بالولايات المتحدة بما يضمن انخراط الحلفاء السنّة بمواجهة داعش والقاعدة. ما يدعم هذا الطرح أن أنظمة الخليج الملكية ومصر وإسرائيل قد طورت إحساساً مشتركاً بالخطر تجاه إيران وحزب الله وداعش. لكن ماذا عن نقاط الاختلاف الأميركية مع كل من السعودية وإسرائيل والسيسي؟

 


يقول إنديك إن واشنطن يجب أن تكتفي بتسوية مع إيران فيما يخص النووي فقط، ثم تذهب لاحتوائها وموازنتها عبر حلفائها من خلال تأمين مظلة ردع نووية لهم، وغض النظر عن ممارسات النظام المصري في الداخل، والتقرب من السعودية من خلال تجاهل الإخوان المسلمين وتركيا والتشدد أكثر مع “نظام الأسد”، ومحاولة السعي لحل المشاكل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من خلال “مبادرة السلام العربية” بما يفتح الإمكانية لإقامة إطار أمني إقليمي يشمل إسرائيل وعرب الاعتدال بشكل علني ورسمي.

إذاً في حال إنجاز تسوية تقتصر على الملف النووي بالتوازي مع بناء هذا الإطار الإقليمي الذي يقلص نفوذ إيران يمكن تحقيق “انفراج” مع إيران في بعض القضايا التكتيكية مثل مواجهة داعش والانتقال السياسي في سوريا، في مقابل بقاء الاحتواء والتنافس في القضايا موضع الخلاف. بالمحصلة تكون الولايات المتحدة قد تمكنت من إعادة بناء نظام إقليمي أميركي جديد في المنطقة مع حلفائها التقلديين الذين سيتحملون مسؤوليات أكثر من ذي قبل (محاولة من إنديك لإغواء أوباما) مع ثقة متزايدة بالولايات المتحدة للعمل معاً.

 


من حيث قراءة التحولات التي أفضت للواقع الإقليمي الحالي، تعاني أطروحة إنديك من عدة شوائب. أولاً، إن المأزق الأميركي الحالي نتج بجزء أساسي منه عن التحالف مع الأنظمة العربية التقليدية الاستبدادية، فما الذي تغير لتصبح هي الحل؟ ثانياً إن العداء مع إيران لم يمنعها من التمدد بالتحالف مع قوى شعبية متجذرة غير قابلة للتجاوز. ثالثاً، لا يمكن لإنديك التعامل بحيادية مع داعش بعد تصريحات بايدن الذي أقر بأن حلفاء واشنطن يتحملون المسؤولية الأساسية في نشوئها. كما لا يمكن لإنديك إنكار أن تأجيج الصراع المذهبي كان من باب موازنة إيران بعد الفشل الأميركي في العراق. رابعاً، يقارب إنديك داعش باعتبارها خطراً تكتيكياً بعكس ما يراها الغرب عموماً في هذه المرحلة.

واقعاً، فإن طرح إنديك سيؤجج الصراع السني – الشيعي، والأهم السني – السني لأن نظريته مرتكزة على مراضاة السعودية في مقابل إنكار تركيا والإخوان، وأيضاً ألا يمكن أن يؤدي ذلك الى تقارب تركي – إيراني ولو من باب الاحتمال؟ وأيضاً لا يمتلك إنديك أي ضمانات لنجاح تسوية فلسطينية – إسرائيلية لا سيما بظل علاقات حماس مع تركيا المرمية خارجاً، وأيضاً بظل عدم تحكم أميركا بسيناريوهات الجبهة في الجولان لا سيما في حال تشددها تجاه الوضع في سوريا.

 


أطروحة إنديك تنطلق من القلق من أفق التسوية الإيرانية – الأميركية، وهو قلق يتشاركه اليمين الأميركي – إسرائيل – السعودية. يبدو إنديك متحدثاً باسم هذا الائتلاف في محاولة لمنع تسوية شاملة إيرانية – أميركية. طرح إنديك هو نوع من المساومة، من خلال القبول بتسوية نووية فقط في مقابل تشدد أميركي أمني وسياسي تجاه إيران والخضوع لمتطلبات التحالف السعودي الإسرائيلي.

تمتاز أطروحة إنديك ببراغماتية عالية كما شأن السياسة الخارجية الأميركية وليس من المستبعد أن يكيفها أوباما ويتبناها، خاصة أن إيران مصرة على عدم تقديم أي تنازلات إقليمية مقابل التسوية النووية. مقاربة إنديك بخصوص التحالف “العربي- الإسرائيلي” ستكون نذير مزيد من الفوضى والاقتتال في المنطقة. من الطبيعي أن يعيش بعض الأميركيين أمثال إنديك حال الإنكار تجاه حقيقة أن عودة المنطقة لعصر الهيمنة الأميركية قد انتهت، هذه من ميزات المستكبرين.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *