فرنسا: عودة المحبطين

11/01/2015

موقع العهد 10 كانون الثاني 2015

 

 

أعادت حادثة الهجوم المسلح على صحيفة رسوم كاريكاتيرية في باريس التي ارتكبها شقيقان فرنسيان من أصول جزائرية، الحديث عن واقع اندماج المهاجرين المسلمين في فرنسا. يكاد يكون هناك إجماع على أن أسوأ تجربة اندماج للمسلمين في أوروبا هي التجربة الفرنسية. تتحمل الدولة الفرنسية المسؤولية بالدرجة الأولى، فيما يسهم بعض خصائص المهاجرين المسلمين في تعميق المأزق. من أبرز مؤشرات هذا المأزق “انتفاضات الضواحي المتكررة” بكل ما يحمله مفهوم “الضاحية” من تهميش. فعلياً قد يكونالفرق طفيفاً بين أن تولد من أبوين مهاجرين في ضاحية فرنسية تسكنها أغلبية مهاجرة مهمشة وبين أن تولد في الوطن الأم.

 

 


فيما يخص الدولة الفرنسية هي ترفض الاعتراف بالخصوصية الإسلامية بل تحاول خلق “إسلام فرنسي” ولكن من دون مؤسسات إسلامية على حد قول محمد بن جودي المتخصص بالعلوم الإسلامية في جامعة ستراسبورغ. العدد الكبير لمسلمي فرنسا من نسبة السكان (10% تقريباً) يزيد من سعي الفرنسيين لإخضاع المسلمين للنموذج الفرنسي بدل الإقرار بالتنوع، لا سيما أنها زيادة متسارعة بفعل الهجرة ونسبة الولادات.

 

 

يذهب سونر كاغابتاي الى إن محاولة الدولة الفرنسية القول انه “لا فوارق بين الأفراد” أنتجت شعوراً لدى المسلمين بإنكار خصوصيتهم وهوياتهم بدل أن يؤدي الى شعور بالمساواة، وهذه نتيجة طبيعية كون مسلمي فرنسا هم في قاعدة الهرم الاجتماعي ويشعرون أنهم منبوذون. وفي حين تحاول الدولة تشجيع وجود مفتين “إصلاحيين” يدعمون الحداثة إلا أن الأكثر تأثيراً هم الدعاة الوهابيون في ظل انتشار كثيف للكتب ووسائل الدعاية والتعبئة الوهابية ما يعزز مكانة المتطرفين، كما يؤكد موران مورافيتش صاحب كتاب “أمير الظلام: الاعتداء السعودي على الغرب”.

 



أما من ناحية المهاجرين الإسلاميين (الأغلبية من المغرب العربي) فإن المؤشرات تدل أن أغلبهم من أصول ريفية بما يُصعب اندماجهم في محيط مديني، ويكونون عادةً أكثر حرصاً على التقاليد والعادات الموروثة وأكثر قلقاً من التجارب الجديدة. يضاف الى ذلك قضية التجاور الجغرافي مع البلد الأم، بما يضمن لهم إمكانية العودة بشكل موسمي ودوري الى الوطن الأساس بما يحفظ علاقة قوية بالجذور الثقافية والقيمية بعكس ما هي الحال مع المهاجرين الى الولايات المتحدة مثلاً. كما أن ثورة المعلومات والاتصال خلال السنوات الأخيرة عززت من فرص تواصل المهاجرين مع مجتمعاتهم وذويهم والبقاء منخرطين في همومهم وأزماتهم ومعاناتهم.

 



أحد أبرز مؤشرات ضعف الاندماج والحرص على الخصوصية يمكن أن نجده في عادات الزواج. على سبيل المثال, %22.5 فقط من الذكور الجزائريين المهاجرين في فرنسا يتزوجون من فرنسيات بينما الباقي يتزوجون من مهاجرات أو فرنسيات من أصول مهاجرين، بينما بالنسبة إلى الذكور المولودون في فرنسا لأبوين مهاجرين من الجزائر فإن 50% فقط منهم يتزوجون من مواطنات فرنسيات. أما في حالة الإناث الجزائريات (مهاجرات او من والدين مهاجرين) فإنهن يتزوجن في الغالبية العظمى من مهاجرين (تقريبا 80%) أو فرنسيين من آباء وأمهات مهاجرين (7%). (الأرقام تعود لدراسة في العام 1995)

 



عام 2013 رعى رئيس الحكومة الفرنسية السابق حلقة نقاش لمراجعة سياسات الاندماج في فرنسا. وقد خلُص النقاش الى الدعوة لتطبيق “شكل جديد من العلمانية” يرفع من شأن الإسلام في الحياة العامة بهدف تشجيع دمج المهاجرين المسلمين. دعت الحلقة للإقرار بغنى الهويات المتعددة، والسماح بلبس الحجاب في المدارس، وتدريس اللغة العربية، واعتراف أكبر بأن “البعد العربي – الشرقي” جزء من الهوية الوطنية الفرنسية، وتعديل منهج التاريخ، وتغيير أسماء شوارع وساحات، وتكريس يوم خاص لتكريم مساهمات الثقافات الأخرى في فرنسا. جرت مواجهة هذه التوصيات بهجوم شرس الى حد القول ان التوصيات هي بمثابة تخلي فرنسا عن هويتها وتاريخها وثقافتها وتبني تلك الخاصة بآخرين.

 



هذا الواقع يفسر نسبياً سبب التحاق الاف الأوروبيين من أصول عربية بداعش والقاعدة، وهو التحاق جرى بالحد الإدنى بغض طرف أمني أوروبي. لماذا يعود هؤلاء لشن هجمات في أوروبا؟ يمكن إيراد أسباب عدة، منها نوع من رد فعل على هجمات “التحالف الدولي”، وأيضاً من باب التنافس بين القاعدة وداعش حيث ان مهاجمة أهداف غربية من شأنها زيادة شعبية وشرعية الجهة المهاجمة على حساب الأخرى، ثالثاً، ستعكس هذه الهجمات شعور الإحباط والحاجة للثأر في ظل ضمور مشروع داعش في المشرق بعد هبوط أوهام “الخلافة” الى أرض الواقع، ورابعاً تبدو مهاجمة أهداف في أوروبا أكثر جاذبية من باب الإمكانية الأمنية مقارنةً بالولايات المتحدة المحصنة الى حد بعيد.

 


منذ العام 2001 ذهب ما لا يقل عن نصف مليون قتيل مسلم، من أفغانسان والعراق واليمن وليبيا وسوريا وغيرها، إلا أننا لا نزال في العالم العربي والإسلامي أشد انقساماً واقتتالاً من ذي قبل حتى داخل “الوطن” الواحد. فيما كان كافياً بالمقابل سقوط 12 قتيلاً في فرنسا لترى الغرب ينتفض للوقوف صفاً واحداً رغم أن الحادثة تعكس أزمة محلية أكثر من كونها صراعاً دولياً. لا زلنا أرقاماً في عدادات الموت، بينما للغربي اسم وصورة وأسرة وحكاية وهوايات ودمعة وشمعة حتى في عاصمة شرقية يحرض بعض أبنائها شعباً مجاوراً على مزيد من الذبح والاحتراب العبثي.

Share

Admin2015-01-19 23:38:18

شكرا هيفاء لمشاركتك وإهتمامك

هيفاء ذياب2015-01-11 14:08:56

د. حسام، تحيّاتي، وشكرا على المعلومات المهمّة. أعتقد أنّ هناك أساسا ينبغي عدم إهماله، وهو غياب المشروع العربيّ، وفشل الدولة الوطنيّة العربيّة في رعاية مصالح أبنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *