غزة بعد العدوان: تحديات وأسئلة

06/09/2014
موقع العهد 30 آب 2014
بمنطق الصمود والتحدي انتصرت المقاومة في غزة، والمعركة الآن محتدمة وقاسية حول القدرة على صنع “تصورات” المعركة في وعي وذهن الآخر، من الأقدر على تقديم صورة النصر لجمهوره، لجمهور العدو وللجمهور الثالث. قد يقول البعض إن غزة دفعت ثمناً مضاعفاً في هذه الحرب، ثمن الهمجية الإجرامية الإسرائيلية، وثمن الحرب الباردة بين محوري السعودية وتركيا، لكن الأخطر من ذلك أن كلاً من الحرب الإسرائيلية وحرب المحورين الباردة تتقاطعان عند نقطة إخراج غزة من توازن القوى الإقليمي بوجه إسرائيل أي تحييد غزة – بعدما جرى تحييد الضفة – عن الصراع مع إسرائيل. انطلاقا من هذه المقدمة يمكن إيجاز بعض المخاطر والتحديات التي ستواجه القطاع ومقاومته في الفترة التالية للعدوان الهمجي الإسرائيلي.

اولاً، يبرز تحدي إعادة ترميم القوة العسكرية للمقاومة الفلسطينية. في الواقع يجب ملاحظة مستوى تكيف الجبهة الداخلية الإسرائيلية مع تهديد التعرض للنيران، وهو تكيف نفسي ومادي. انطلاقا من هذا التكيف ومحدودية القدرة الصاروخية البعيدة الأمد، لا يمكن الاعتبار فعلياً أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية قد تعرضت لاختبار حقيقي، وهو ما ساهم بتوسعة هامش المناورة لدى الإسرائيلي وتمدد زمن المعركة. بناءً على هذه المعطيات تبرز عدة تحديات عسكرية أمام القطاع أبرزها تطوير قدرات وإمكانات الحصول على واستخدام مخزون إستراتيجي من الصواريخ البعيدة الأمد القادرة على رفع قدرة الردع عند المقاومة الفلسطينية. أثبتت الحرب الأخيرة استحواذ المقاومة على قدرة ردع برية حالت دون اجتياح القطاع, إلا أن المقاومة بحاجة ماسة لقدرات قادرة على إيلام الجبهة الداخلية الإسرائيلية بدرجات أعلى من الواقع الحالي.

ثانياً، التحدي الثاني يكمن في الخيار المستقبلي للقطاع, هل سيجري تحييده عن الصراع؟ الى جانب معاناة القطاع من إستراتيجية “جز العشب” الإسرائيلية، تتعرض المقاومة لضغوط مزدوجة من السعودية ومصر من ناحية لتقييدها وإلحاقها بمشروع التسوية، ومن ناحية اخرى تتعرض للاستخدام من تركيا وقطر لتوظيفها في سياق الصراع الإقليمي مع إيران ومحورها من جهة والسعودية وحلفائها من جهة ثانية. هل ستتحول المقاومة الى أداة لرفع رصيد المحور التركي – القطري؟ وبدل أن توظف حماس تحالفاتها الإقليمية لخدمة قضيتها هل تتحول حماس لتوظيف المقاومة في خدمة محورها؟ بالتأكيد لا يمكن لعاقل اعتبار قطر وتركيا جزء من مشروع مواجهة الهيمنة والاحتلال في المنطقة، بل ستسعيان الى “تدجين المقاومة” وتحويلها لأمر “رمزي” قابل للتدوير ضمن الماكينة الإعلامية بما يضيف على هذا المحور نفحات من المشروعية الضرورية في صراع المحاور المحتدم. فهل ستنجحان في ذلك؟
ثالثاً، الصراع الداخلي بين السلطة وحماس. على الأرجح سوف يتجدد التوتر بين الطرفين في مسائل عدة أبرزها حكومة الوحدة الوطنية، إدارة المعابر، إعادة الإعمار، سلاح المقاومة وأفق التسوية. ستكرس “المصالحة” عودة صراع النفوذ الى القطاع، الذي سيجري حقنه بالصراع السعودي – التركي. بعكس ما هي الحال مع إيران التي تضع مشروع المقاومة فوق كل اعتبار، لن تتوانى كل من السعودية وتركيا عن دفع الإطراف الفلسطينية نحو الاقتتال بغية تكريس توازن قوى غزاوي جديد. كرست آلية التسوية للمعركة الأخيرة دور مصر كلاعب أساسي في مستقبل غزة، ورضخت حماس للواقعية السياسية وحقائق الجيو – إستراتيجيا. سيمر الدور السعودي في ملف غزة من خلال مصر بدرجة أولى وهو ما سيزيد مستوى التوترات المصرية – التركية. في ظل هذه العوامل، تبدو المساكنة بين حماس وفتح شبه مستحيلة. لكن ما هي حدود هذا التوتر؟ هل سنشهد “حرباً ناعمة ” على المقاومة في غزة؟ ربما من المفيد لمقاومة غزة مراجعة تجربة حزب الله مع 14 آذار بعد حرب 2006.
رابعاً، العلاقة بين فصائل المقاومة، بالتحديد بين حماس والجهاد. ليس من المبالغة القول إن وحدة الفصائل خلال المعركة الاخيرة كانت من نقاطها المضيئة. هل ستقدر حركة حماس على استعياب دور الجهاد الإسلامي لا سيما مع إصرار الأخيرة على موقفها المتقارب مع إيران؟ هل ستحاول حماس وضع قيود حادة على حرية وهامش الجهاد الإسلامي إن قررت الأولى الركون الى منحى “تحييد القطاع” تحت حجة ضرورات إعادة الإعمار؟ نجحت الحركتان في السنوات السابقة في إدارة علاقتهما حتى في لحظات التوتر والأزمة، إلا أن الضغوط التي تتعرض لها حماس وتموضعها الإقليمي الجديد قد يهددان هذه الشراكة.
خامساً، تحدي إعادة الإعمار وإطلاق دورة الحياة الطبيعية. كيفية تحصيل الموارد بأقل ثمن سياسي. كيفية إدارة العملية بكفاءة وشفافية. مدى إمكانية قيام إدارة تشاركية لإدارة عملية إعادة الإعمار بين السلطة وحركة حماس. هل سيؤدي التنافس الإقليمي – المحلي الى تعطيل هذه العملية؟ على الأرجح أن تتقدم عملية إعادة الإعمار ببطء وعلى مراحل بحسب تطور العملية السياسية في القطاع، ولكن في ظل الإقرار بدور السلطة في الإشراف على المعابر فإن الطرفين – حماس وفتح – ملزمان بالتعاون ولكل منهما مصلحة واضحة في إطلاق العملية وإن بسياق تنافسي.
التحدي الأساسي إذا ًهو حول هوية ودور القطاع ومقاومته في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق يقع أغلب العبء والمسؤولية على حركة حماس كونها الفاعل الأقوى، فهل ستفلت حماس من “المتاهة” الإقليمية؟.من ناحية محور المقاومة فهو بدوره يواجه تحديات جادة في قضية غزة وحماس تحديداً، هل سينجح هذا المحور في إدارة علاقة متوازنة مع فصائل المقاومة داخل غزة؟ ما هي قدرته على إبقاء خطوط اتصال وتأثير مع حركة حماس؟ كيف سيدير علاقة متوازنة مع حماس في ظل تموضعها الإقليمي الجديد؟
التحدي الدائم في السياسة هو في حصر الخصومات في حدودها الدنيا، وتأجيل بعضها, وتجاهل بعضها الآخر، وتصنيفها وفق مستوى مخاطرها لتحدد أولوياتك، واختراق بعضها نحو أفق جديد، والأدهى وضع خصومك في موقف المتنازعين فيما بينهم.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *