عصر الهيمنة الأميركية النحيفة

14/09/2014
موقع العهد، 9 أيلول 2014
التنظير لفكرة تراجع الهيمنة الأميركية لا يعني بتاتاً أن الولايات المتحدة لم تعد القوة الأولى في النظام الدولي، بل القصد أنها أصبحت أقل قدرةً على التفرد، وأكثر حاجةً لتعريف ضيق لأمنها القومي، وبأمسِّ الحاجة لترتيب مصالحها القومية ضمن أولويات وتصنفها بين الجوهري، المهم، والهامشي. 
تجربة إدارة بوش أصابت الهيمنة الأميركية “بالترهل والسمنة” ولذا تخضع اليوم لعملية “تنحيف” في محاولة للتخلص من “الهيمنة المترهلة” نحو أخرى “رشيقة”. يتحدث كثيرٌ من المنظرين الأميركيين أن التحولات المعاصرة في البنية الدولية أنهت إمكانية قيام “إمبراطورية عالمية”، والبديل هو التكيف نحو مفهوم “قيادة” النظام الدولي. هذه “القيادة” تقر بالحاجة لحلفاء وشركاء، بتنوع مصالح ولو محدود، بالعمل قدر المستطاع من خلال المنظمات الدولية، بالإعتراف بحدود النفوذ والقوة، وبضرورة الإهتمام بالعوامل غير المادية للقوة. بالطبع، لعملية “التنحيف والتكيف” للهيمنة الأميركية أضرار وأعراض جانبية على الولايات المتحدة، فحال واشنطن كحال سفينة بحاجة للتخلص من الوزن الزائد. كيف تظهر عوارض وآثار هذا التحول في الهيمنة الأميركية اليوم؟ .
اولاً، إنقسام المحور الأميركي في “الشرق الأوسط” بين محوري تركيا والسعودية. لم يكن ليتكرس هذا الإنقسام بحال حافظت الولايات المتحدة على وضعية “هيمنة مستقرة” في الشرق الأوسط. أنتج التراجع الأميركي غياباً لإستراتيجية أميركية واضحة لقضايا المنطقة كما برز في الإنقسامات الأميركية الحادة بشأن ما جرى مع “الإخوان المسلمين” في مصر وكذلك الحرب المندلعة في سوريا. غياب الإستراتيجية الأميركية أتاح لحلفائها وملحقاتها السعي للبحث عن مصالحهم الذاتية بشكل مستقل نسبياً عن “الإرادة الأميركية”، وعليه أنتجوا رؤى وإستراتيجيات مختلفة أنتجت توتراً بين محوري تركيا والسعودية في سوريا والعراق وغزة ومصر.
ثانياً، يبرز الدور الإقليمي المتزايد لحلفاء لواشنطن في آسيا وأوروبا بالتحديد. تسعى واشنطن لرعاية توازن قوى “من خلف المحيطات” حيث تدعم حلفاءها في كل إقليم بوجه منافسيها مثل إيران وروسيا والصين. وعليه، نشهد إحتدام المنافسة بين كل من السعودية وتركيا، رغم تنافسهما، بوجه إيران وحلفائها، وكذلك في حالة أوكرانيا حيث يتكتل الإتحاد الأوروبي بمواجهة روسيا. في كلا الإطارين تكاد تنعدم الأعباء الأميركية التي تضغط من خلال الأطر السياسية (عقوبات – قرارات دولية)، فيما يتحمل حلفاء واشنطن الأعباء لإستنزاف خصوم أميركا “المارقين”.
ثالثاً، إنتقلت واشنطن بعيداً عن الصدام “القاسي” المباشر مع خصومها نحو شكل من “الإحتواء والإنخراط” المزدوج. هذه الإزدواجية المبرمجة تقوم على إحتواء الخصم من خلال الحلفاء الإقليميين ومحاولة تحجيمه ومنعه من التمدد في لحظة الإنكفاء الأميركي، وفي ذات الوقت تبقي الإدارة الأميركية على خطوط إتصال مع الخصم بغية دمجه في النظام الدولي بحسب القواعد الإميركية. هذا الدمج يكون موجهاً نحو النخبة السياسية والحاضنة الشعبية، وبقدر ما ينسجم لاعب ما وتتشابك مصالحه في النظام الدولي الذي صممته الولايات المتحدة، تقل قدرته ومناعته على مواجهة ضغوط الولايات المتحدة ومصالحها.
أميركا تحاول التخلص
من الهيمنة المترهلة نحو
أخرى “رشيقة”
حالياً يجري إتباع هذا النهج مع كل من إيران وروسيا والصين، مثلاً سبق لواشنطن أن إبتزّت روسيا بخصوص قبولها في منظمة التجارة الدولية مما دفع الأخيرة للموافقة على أقسى حزمة عقوبات على إيران عبر مجلس الأمن. واليوم تجري وفي موازاة الضغط على إيران في سوريا والعراق، محاولة جذبها من خلال صفقة حول الملف النووي ورفع العقوبات عنها وإدماجها في النظام الإقليمي. خيار “حصار وعزل” خصوم واشنطن أنتج غالباً سياسات معاكسة وأكثر تشدداً تجاه واشنطن، بينما الإغواء والتسلل الى السياسات الداخلية للخصوم بالثقافة والإقتصاد كان أكثر نجاحاً.
أميركا تواجه خصومها
بإستراتيجية مزدوجة من
الإحتواء والإنخراط
وفي هذا الاطار، تبدو الدعوة الأميركية لتحالف دولي لمواجهة داعش في العراق وسوريا، وهي دعوة من باب “إستدراج عروض” من إيران وحلفائها حول الثمن الممكن مقابل الدور الأميركي في معالجة ظاهرة “داعش”، مثيرة للقلق والريبة.في المقابل، هل يسعى الإيرانيون فقط لكسب الوقت لتمكين القوات العراقية “الشعبية” من قضم مزيد من الأرض في ظل إندفاعتها الإخيرة في امرلي ومحيطها بحيث يصبح العرض الأميركي غير ذي جدوى؟، “نحافة” الهيمنة الأميركية يجعلها أقل عرضةً للإستهداف بالطبع، ولذا لا بد من البحث بدقة عن نقاط إرتكازها الجديدة.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *