حركات العنف التكفيري: خريطة طريق

22/11/2015

موقع العهد، 12 أيلول 2015

 

 

 ما زال المجال الفكري يشهد سجالاً بخصوص تفسير صعود حركات العنف المتطرفة (التكفيرية) بين جملة من الثنائيات، أبرزها ثنائية “التهميش – التوظيف”، أي هل يعود صعود هذه الحركات لأسباب داخلية تتعلق بالتهميش السياسي – الاقتصادي، أم لأسباب مرتبطة بالتوظيف الإستراتيجي للقوى الكبرى المتصارعة؟. طبعاً هناك من يذهب لتبني سردية أحادية متطرفة بهذا الاتجاه وذاك، فيما الأكثر حذراً سيميل الى القول بتعدد الأسباب إما بوزن واحد أو بأوزان متفاوتة لكل سبب.

 

 

العودة لهذا السجال كانت من وحي مؤتمر عُقد مؤخراً في بيروت حول هذه الظاهرة، والتي بدا أن فهمها ما زال يشوبه التشويش والضبابية إما لنقص في المعلومات، لحداثة سن الظاهرة، الانحيازات الإيديولوجية، التموضع السياسي، أو الإرباك المفاهيمي. بناء عليه، أميل الى توزيع العوامل التي تستخدم لتفسير هذه الحركات التكفيرية ضمن مراحل ثلاث: البذور، الاختمار، والخروج.

 

 

تقع العوامل المرتبطة بالتراث الديني وكيفية فهم المقدس واستحضار التجربة الدينية ضمن نطاق “البذور”. هذه الحركات ليست غريبة عن تاريخ المسلمين، إذ لطالما تكرر هذا المستوى من العنف الهمجي بناء على ذرائع التكفير كجزء من صراعات سياسية أكبر وأعم. تضخيم المقدس، تشريع التكفير بناء على النية وليس العمل، إغفال الأخلاق والغوص في العقائد، احتكار الحقيقة (الفرقة الناجية والمنصورة)، الخلط بين التراث والمقدس، والامتحان بالديني بهدف السيطرة السياسية (محنة خلق القرآن مثالاً) وغيرها، كلها آليات خلقتها السلطة الدينية التاريخية ويقدمها المتطرفون باعتبارها معايير وممارسات تقع في صلب المقدس.

 

 

هذه البذور الفكرية والتراثية يمكن استحضارها من رحم التاريخ وإعادة إنتاجها بهدف خلق وشرعنة هذه الجماعات وسياساتها، متى توفرت ظروف “الاختمار”. تبدأ هذه البذور بالاختمار والنضج في ظل ظروف محددة يمكن اختصارها بعبارة “التهميش” بكل مستوياته وسواء كان واقعاً أم متصوراً. التهميش يُنتج قوى اجتماعية متطرفة “واعية” من داخله تختلف قوتها بحسب عمق التهميش وفعاليته بشكل أساسي.

التهميش السياسي – الاجتماعي – الاقتصادي في دول المنطقة يخلق حوافز عالية لاختمار “البذور”، ولذا تتحمل أنظمة المنطقة وداعموها مسؤولية أساسية في ظهور هذه الحركات. التفسير والتطبيق المتطرف للنص والتراث الإسلامي يشكل ملاذاً للمهمشين، وسيلة لتنفيس الاحتقان النفسي، أداة للتعبئة الجماهيرية، مدخلاً للحصول على دور، سبيل نحو الأمل بقلب الأوضاع، وآلية لشرعنة كل عنف ضروري، إلا ان تهميش “الهوية” لا يقل خطراً عن التهميش المادي. كثير من هؤلاء الشباب يستشعرون أن هويتهم الدينية – المذهبية هي المهمشة والمهانة، وهذا ما يفسر لماذا كثير من التكفيريين تركوا الرفاه والتحقوا بالقتال.

 

 

فالعامل الاقتصادي ليس قادراً لوحده على تفسير سلوك الكثير من أبناء الحركات التكفيرية كونهم إما منعمين في بلادهم أو في الاغتراب. الهوية بالنسبة لهؤلاء وغيرهم هي أغلى من الروح، تهديد هوياتهم بالمحو (واقعاً أم تصوراً) أخطر من تهديدهم بالقتل، وهذا ما أدركه من فبرك فزاعة “التشيع” لدى السنة وضخم لديهم “تصور المظلومية”. الشعور بالتهميش الهوياتي قد يفسر مثلاً تربع دولة مثل تونس في صدارة الدول المصدرة للإرهاب، فهذه الدولة شهدت أعلى مستوى “تغريب” ثقافي في المنطقة العربية منذ خمسينات القرن الماضي.

لكن، متى يخرج هؤلاء من مرحلة الاختمار نحو الظهور المادي العنفي في إطار مشروعهم السياسي؟ حين تختل موازين القوى (محلية أو خارجية)، حينها يتسرب هؤلاء عبر هذا الفراغ وما ينتجه من فوضى، إلاّ أن نجاحهم يبقى رهناً بإرادة القوى الكبرى. خرجت هذه الجماعات مثلاً في سوريا ومصر (الثمانينات) الجزائر (التسعينات) ولبنان (بعد عام 2000) السعودية (السبعينات وبعد 2001) إلاّ أنها تعرضت للسحق والفشل الذريع. النجاحات (بمعيار إيذاء الخصم) بقيت محصورة في الساحات التي أراد لها الأميركيون أن تنجح، من أفغانستان الى سوريا فالعراق، حتى نجاحها النسبي حالياً في مصر وليبيا مرتبط أيضاً برعاية قوى إقليمية وازنة.

 

 

بناء ً على هذا التقسيم يبرز سؤال فائق الأهمية، وفق أي تراتبية يجب مواجهة هذه الجماعات؟ أي هل الأولى البدء بالضغط على هذه الجماعات في مرحلة البذور وصعوداً أو من مرحلة الخروج ونزولاً؟ أي هل يجب التركيز على خوض معركة إصلاح “ديني”، أم الضغط على مصالح القوى الكبرى الراعية لهذه الجماعات؟. لا نفترض هنا عدم إمكانية العمل على كافة المستويات ولكن لا بد من أولوية. الإصلاح الفكري الديني سيحتاج لسنوات طويلة وظروف موضوعية، فيما قد يبدو الضغط على داعمي الإرهاب عبر المواجهة الصلبة مع هذه الجماعات لترتد باتجاه أميركا وحلفائها قد يعطي نتائج أسرع، ويلي ذلك العمل على تقليل عوامل التهميش داخل دول المنطقة (أغلبها حليف لواشنطن)، حينها يمكن أن تثمر مساعي الإصلاح الفكري.

إذاً هناك إرث فكري قابل للاستغلال، وعوامل تهميش قابلة لخلق حركات تكفير، وتحولات موازين القوى تتيح لهم الخروج، ومصالح قوى كبرى تسمح لهم بحدود من النجاح، ولكل طرف أن يقدّر أين تتيح موارده ومصالحه أن يضرب بدايةً هذه الحركات. هذا الفهم لحركات التكفير، يمكن أن يحسّن من قدرة التنبؤ بدورة حياتها، ويتيح بالتالي إمكانية للعمل الوقائي معها في المستقبل.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *