حرب التصورات

06/07/2015
موقع العهد، 10 أيار 2015
الحروب المعاصرة هي حروب تصورات، أي أن الحرب بمقدار ما تدور في الميدان كذلك تدور في وعي الجمهور. القدرة على خلق والتلاعب بالتصورات حول حرب ما – أسبابها، مبرراتها، مساراها، دوافعها، ونتائجها – هي محدد أساسي في عناصر قوة أي فاعل سياسي. قد تصل القدرة في خلق التصورات الى حد خسارة حرب في الميدان وكسبها في عقول الجمهور. الواقع هو ما يؤمن بوجوده الناس، هو مجرد نتاج إجتماعي لعملية خلق الأفكار والمشاعر والقيم داخل جماعة محددة.
فحتى لو إعتقدنا بوجود واقع موضوعي، إلآ أن الأهم هو الواقع المتخيل كونه هو الذي يتحكم في سلوك الجمهور. إذاً، بقدر ما ينبغي قراءة أي حدث بصورة موضوعية وفق ضوابط وقواعد علمية، إلا أنه يجب دراسة كيفية “هضمه” في عقل الجمهور، أي ما هي المعاني والتصورات التي خرج بها الجمهور عن هذا الحدث. بناءً على هذه المعادلة تكثر في الصراعات الحالية إستخدام مصطلحات “حرب الأفكار” ، “كسب العقول والقلوب”، “الحرب الناعمة”، وسواها.

القدرة على خلق التصورات بحاجة لمنظومات إعلامية قادرة على إنتاج “أطر إخبارية” مدروسة بناء على نوعية الجمهور المستهدف. تؤدي “الإمبراطوريات الإعلامية” الخليجية دوراً كارثياً على وعي الجمهور، ليس لدورها في التلاعب والتضليل بل كونها تصر على تقديم رؤية وتفسير مذهبي – عنصري لصراعات المنطقة في مقابل الخطاب الإعلامي لمحور المقاومة القائم على تفسير سياسي – إستراتيجي لهذه الصراعات. الإعلام الممول خليجياً يصر على أن ما يجري هو محاولة بناء إمبرطورية فارسية مجوسية رافضية، فيما يذهب إعلام المقاومة الى أن ما يجري هو صراع بين قوة الإحتلال والهيمنة وأدواتها وقوى تسعى للإستقلال الوطني والمشاركة السياسية.

يمتاز الإعلام الممول خليجياً بضخامة موارده التي يندر وجود شبيه لها في التاريخ. هذه الميزة تتيح له خلق جيش من “المرتزقة الإعلاميين والمثقفين”، أو على قول أحد الأصدقاء جيش من “الإنغماسيين” في حقلي الإعلام والثقافة. هو جيش بكل ما للكلمة من معنى، تشكيلات ورتب ومهمات. التأطير الإعلامي لهذه الإمبراطورية الإعلامية قائم على التكرار الدائم لخطاب محدد يرتكز على الشحن العاطفي والإخافة والتهديد الهوياتي وأبلسة الخصم (مثلاً فكرة نشر التشيع) . إلا أن أسلوب التعبير مرن بحسب الشريحة المخاطبة، فتجد المفكر والإعلامي والمحلل والصحافي والمراسل والفكاهي، كله يدور حول فكرة واحدة ولكن بتلاوين عدة.
لنأخذ حرب اليمن مثلاً، سردية الإعلام الخليجي هي التالية: هذه حرب على مشروع الهيمنة الفارسية ووكلاؤها في ميليشيات الحوثي الشيعية دفاعاً عن الشرعية اليمنية. الكلمة الواقعية الوحيدة في هذه الجملة هي “حرب”.  هي الحرب السعودية لإستعادة الهيمنة على اليمن وإلا تدميره كي لا ينهض إلا بإرادة سعودية. ثم تكر سبحة إبداعات إنغماسيي الإعلام والفكر: الحرب السعودية هي إستجابة لطلب الرئيس الشرعي عبد “سلمان” منصور هادي، أي أن السعودية وحلفاءها يأتمرون بأوامر هادي (المنتهية ولايته والمستقيل).
أثناء عدوان إسرائيل 2006 على لبنان، روج هذا الإعلام الممول خليجياً في ذروة المجازر الإسرائيلية أن حزب الله مسؤول عن الحرب بوصفه “ميليشيا شيعية تابعة لإيران”. اليوم، يصف هذا الإعلام جماعة الرئيس اليمني المستقيل الذين يقاتلون الى جانب العدوان السعودي على بلدهم ب “المقاومة الشعبية”.  –لنأخذ مثلاً آخر، جبهة النصرة التي نشط الإعلام الممول خليجياً بإتهام سوريا بدعمها طوال السنوات الماضية، يدعوا أبرز إعلاميي المنظومة الخليجية – جمال خاشقجي – للحوار معها عبر “العلماء” بإعتبارها من القوى المعتدلة “ليعيدوهم إلى المساحة الوسط التي تسعنا جميعاً”. مثالٌ آخر، يروج هؤلاء أن ما حصل في العراق كان مؤامرة إيرانية – أميركية لإطاحة صدام، لكن لحظة، هل دخلت الدبابات الأميركية الى العراق من إيران أم من قطر والسعودية؟ .
لخص بلال الحسن – في كتابه “ثقافة الإستسلام” بعد قراءة تحليلية لكتابات جملة من رموز هذه المنظومة الممولة خليجياً – دور هذه النخب بأنها منظومة تعمل لإدامة الهيمنة الأميركية من خلال تدمير الثقافة العربية. خطاب هذه المنظومة تجاه إيران وحزب الله هو حرفياً الخطاب الأميركي، طبعاً مع بعض “البهارات المحلية” لزوم مراعاة الثقافة المحلية.
ربما الأصح ما ذكره الباحث سيف دعنا في مقالته الأخيرة عن تمييز مالكوم أكس بين “عبيد البيت” و”عبيد الحقل”، “عبيد البيت” يتراكضون ويستبسلون لإخماد الحريق في بيت “السيد”، فيما “عبيد الحقل” يقفون متضرعين الله لريح مؤاتية لا تبقي ولا تذر. هذه منظومة من “عبيد البيت”، فيما نحن نصلي وننفخ في الريح.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *