تركيا: كيف ستنطق «الثورة الصامتة» في الداخل والإقليم؟

27/09/2016

صحيفة السفير، 28 تموز 2016

«الثورة الصامتة» عنوان كُتيب أصدرته رئاسة الوزراء التركية العام 2013، وذلك بمناسبة مرور عقد على استلام حزب «العدالة والتنمية» للحكم في تركيا (2002 ـ 2012). «ثورة صامتة» في مواجهة «الإرهاب» ومجال القانون والتحول الديموقراطي والمدني – الذي يفاخر به أردوغان بشكل خاص في كلمته الافتتاحية للكتيب ـ المتمثل بانتخاب رئيس البلاد من الشعب (تعديل 2007)، وتولي شخصية مدنية للأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، وتقليص سلطات القضاء العسكري، وإلغاء بروتوكول أماصيا، وإلغاء المقعد العسكري في بعض المؤسسات الرسمية المدنية، والسماح بالطعن بقرارات مجلس الشورى العسكري، ومحاكمة انقلابيي 1980 (تعديل 2010).

كان الخطاب الديموقراطي ـ الحقوقي مثالياً للحزب الصاعد لإدارة «ثورة صامتة» تسمح بتقليص نفوذ «الوصاية العسكرية» ـ الخطر التقليدي للسلطة المنتخبة سواء بالانقلاب أو الإنذار العسكري – خطاب محمي بإنجازات اقتصادية هائلة ومشحون بمصطلح ثقافي ـ ديني. كان حزب «العدالة والتنمية» مدركاً بدقة لقوة خصمه في «النظام الوصائي» (العسكر والقضاء)، ولذا سعى لبناء شبكة تحالفات انتهازية، تتيح تفكيك «الدولة العميقة» أو «النظام الوصائي»، تضم شرائح اجتماعية مهمّشة، طبقة رجال أعمال صاعدة، جماعة فتح الله غولن، الأكراد، والمؤسسة الدينية (من 2012 بدأت الدولة في تطبيق توظيف رجال الدين المحليين وطلاب العلوم الدينية)، مظللاً كل ذلك بسياسة خارجية مطمئنة للغرب ومتصالحة مع المحيط الإقليمي.

يُشرعن الأردوغانيون ثورتهم الصامتة تحت عنوان بناء «تركيا العظمى من جديد» التي ستكون «نجماً عالمياً متألقاً باقتصادها القوي وديموقراطيتها المتقدمة، وسياستها الخارجية النشطة». يقدم أردوغان قصة نجاحه على عمدتين، الرفاه الاقتصادي والتحول المدني، وهنا يركز على إلغاء حالة الطوارئ، وتغيير بنية مجلس الامن القومي، وتقليص واحتواء صلاحيات العسكر داخل المجال المدني (الأوليغارشية البيروقراطية). العمدتان، فخر أردوغان، تقفان اليوم في مهب الريح، تباطؤ اقتصادي واستبداد.

العقد الأردوغاني الأول كان داخلياً بامتياز، قبل أن يحل «الربيع العربي»، حيث استعجل أردوغان تسييل إنجازات الداخل في الإقليم. كانت اندفاعة أردوغان الإقليمية ذات ديناميتين: الفراغ الإقليمي والتسلّط الداخلي. الفراغ الإقليمي فرصة لـ «تركيا العظمى» لتتمدّد وتتألق بين الأمم، فيستثمر أردوغان ذلك للتلاعب بالحنين الجمعي التركي لأمجاد إمبراطورية غابرة في التاريخ وحية في النفوس، بهدف توجيه ضربة قاضية لمنافسيه «الوجوديين» في المؤسسة العسكرية والجهاز الخدماتي لفتح الله غولن. حينها كان سينتقل أردوغان إلى قصره، ذي الـ 350 مليون دولار، سلطاناً بكل ما للكلمة من معنى، وتبدأ حقبة «حكم القصر» في تركيا.

إلا أن حدود النجاحات الأردوغانية في الإقليم، التي يعود جزء منها إلى تشتت سلطة القرار داخل تركيا بفعل استقلالية الجيش وسيولة العملية الانتخابية البرلمانية كما يظهر من فشل حزبه في انتخابات 2015 بالحصول على الأغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة منفرداً، كانت بمثابة الصدمة. منذ تلك اللحظة بدأ أردوغان بانعطافة حادة نحو الداخل لحماية منجزات «الثورة الصامتة» عبر السعي للإمساك بالحزب كقائد من دون منازع في سياق بناء دكتاتورية مقننة في تركيا، تحت شعار «النظام الرئاسي»، ومنها تكون العودة لمشروع «تركيا العظمى». يبدو أن أردوغان قد توصل لخلاصة مفادها أن صناعة «أردوغان العظيم» شرط ضروري لبناء «تركيا العظمى» وليس العكس.

أطلق أردوغان مسار «العظمة» من حزبه، بدءاً من تهميش غول الى أوغلو فاختفت مراكز الثقل والمقاومة داخل «العدالة والتنمية»، في المجال الإسلامي أنهى حلف «الأبوة» مع غولن، ووطنياً ارتد عن سياق المساكنة مع الأكراد نحو الحرب الأهلية وأطلق حملة تنكيل وقمع غير مسبوق في قطاعات الإعلام والتعليم والقضاء. «الثورة الصامتة» استدعت مساكنة مع الغرب، فيما لم يعد ذلك ضرورياً بل مضراً عندما «نطقت» الثورة. في هذا السياق أتت محاولة الانقلاب الأخيرة، التي استغلها أرودغان فقط لاستكمال مسار ما قبل الانقلاب وتسريعه وطيّ مراحله وصولاً نحو الإمساك المستقر بالقرار والسلطة في تركيا. يبدو أن كثيرين في المنطقة ينهون ترتيب ملفاتهم الداخلية في «الوقت المستقطع» قبل دخول الإدارة الأميركية المقبلة الى الملعب الإقليمي.

قد يكون مشروعاً التساؤل عن مدى انبهار أردوغان باستقرار وفعالية نموذج الحكم الإيراني (صديقه اللدود)، وعن مدى رغبته في محاكاة تلك التجربة و «دبلجتها» الى التركية. هل يطمح أردوغان لموقع شبيه بـ «المرشد» يمسك القرارات الكبرى ويرعى التوازنات ويحسم الخيارات، وجيش ذي نفحة عقائدية ـ قومية، وقوى عسكرية ضامنة للنظام وثورته الصامتة (يبدو أن جهاز الشرطة التركية قد أُعيد بناؤه في السنوات الأخيرة لدور كهذا) ومشروع إسلامي إقليمي أكثر تجلياً؟ بكل الأحوال يبدو أن الصبغة الإسلامية ـ السنية لتركيا ستبرز كلما تقدم أردوغان في مشروعه السلطوي، فهل سيعيد هذا التحول تنشيط التنافس التركي ـ السعودي بعد شهور من المساكنة والانفتاح؟ لا شك في أن الحكم السعودي يُفضّل تركيا المضطربة ذات البصمة الإسلامية الخفيفة. هذه الصبغة الإسلامية تعكس قناعات أردوغان ومصالحه وشبكة تحالفاته الداخلية، وهي ستكون ضرورية لموازنة العلمانيين والكرد في المرحلة المقبلة. العلمانيون الأتراك يراقبون المواجهة بين جناحَيْ تركيا الإسلاميين، ولكن سرعان ما سيغلبهم التوجس، أردوغان المتحرر من عقبة غولن وضغوط الغرب سيكون أكثر قوةً وبطشاً وإصراراً.

أردوغان المنكفئ إقليمياً ينبغي أن لا يخدع أحداً. إنها لحظة لاستجماع الأنفاس لإعادة تنشيط المشروع الإمبراطوري التركي بعدائية أكبر ما دام الإقليم لم يتجاوز المرحلة الانتقالية. ضمور الدور الإقليمي التركي سيكون مؤقتاً، ولذا ينبغي لمنافسي تركيا في «محور المقاومة» إما استغلال «نافذة الوقت» هذه لتحسين التموضعات بوجهها (في سوريا تحديداً)، وإما لتكبيل أردوغان بتفاهمات وتسويات مضمونة توازن بين القبول بمصالح تركية مشروعة في الإقليم حتى في لحظة ضعفها ورفض أي دور أو مصالح لتركيا من شأنها أن تقلب التوازن الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي. يبدو أن أردوغان في سياسته الإقليمية الحالية يحاكي المثل التركي: «من يسقط في النهر يتمسك بالأفعى».

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *