الشباب المسيحي، عونيون ومحايدون: عن حزب الله

24/02/2016

صحيفة السفير، 11 كانون الثاني 2016

في ظل السجال المتجدد حول الانتخابات الرئاسية، وتالياً علاقة «حزب الله» بالمسيحيين، من المناسب إعادة محاولة سبر بعض تحولات هذه العلاقة منذ العام 2006، لا سيما من منظار مسيحي. في ظل الانقسام الشيعي ـ السني الحاد في لبنان، تبقى توازنات الساحة المسيحية هي محدد أساسي في التوزانات الوطنية، وهو ما يجعل هذه الساحة موضع اهتمام خاص. هذه الأهمية دفعت الأميركيين سابقاً للتدخل في الصياغة التفصيلية للسرديات الواجب استخدامها من «قوى 14 آذار» بمواجهة العماد عون. يركز الأميركيون على استغلال وتعميق الفارق الثقافي بين المسيحيين و «حزب الله» لمحاولة تسعير التوتر السياسي بين الطرفين وإعاقة فرص التعاون والحوار.

بالعودة لوثائق «ويكيلكس»، تظهر السفيرة سيسون وهي تلقّن قادة «14 آذار» العناوين المطلوبة للحملات المضادة على «التيار الوطني الحر»: قضية الضابط سامر حنا، استخدام «حزب الله» للتيار كغطاء لإقامة دولة داخل الدولة وثم لفرض الدولة الإسلامية في لبنان، وأيضا التشكيك بمصادر عون المالية والإيحاء بتلقيه أموالاً من إيران وسوريا. يجب على قوى «14 آذار» أن تضع الناخب المسيحي أمام المعادلة التالية: «إما اختيار دولة مدنية ديموقراطية بجيش واحد، وإما دولة في حالة حرب مستمرة مع جارتها في الجنوب إسرائيل» (08BEIRUT1638_a, 2008). وعليه «حين يبدأ المسيحيون بتصور كيف سيكون لبنان في ظل سيطرة «حزب الله»، فإنهم سينقلبون على عون»، يقول كريس ريد في إحدى اجتماعات السفارة الأميركية. كريس ريد هو بالمناسبة من المعهد الجمهوري الدولي (يرأسه جون ماكين)، وخدم بصفته مستشار الاتصالات الإستراتيجية لقادة 14 أذار، والذين نصحهم ريد بتصوير عون كخاضع وقائد ضعيف (08BEIRUT750 ، 2008)

بالمقابل طوّر «حزب الله» بين استخدام موارده الناعمة والصلبة لخلق بيئة مناسبة لتحالف متين مع «التيار الوطني الحر». منذ الـ2006 أصبح خطاب «حزب الله» أغنى بالمدلولات والرموز الوطنية، لدرجة دفعت بعض الباحثين بالقول إن الحزب يستخدم «سردية وطنية هجينة» تمزج العلمنة والتدين (كما تقول الدكتورة منى حرب) بهدف مخاطبة الرأي العام المسيحي كإحدى أولويات السياسات الإعلامية للحزب. حتى ان الإعلام الحربي أصبح يلامس هذه الحساسية من خلال بث صور مقاتلي الحزب يؤدون التحية لتمثال السيدة مريم. يبرز في هذه الإطار استخدام الحزب للموسيقى كإحدى موارد القوة الناعمة في مناسبة الميلاد المجيد للتواصل والتأثير في تصورات المسيحيين تجاهه.

تستند خلاصات هذه المقالة على تقنية «مجموعة التركيز» حيث جرى تنظيم 4 مجموعات، 3 منها من طلاب جامعيين عونيين (مجموعتي ذكور ومجموعة إناث)، ومجموعة رابعة من طلاب مسيحيين محايدين (ذكور غير محزّبين). عُقدت هذه المجموعات خلال شهري آب وأيلول الماضيين. هذه الخلاصات تقدم تصوراً عاماً حول موقف هذه الشريحة من «حزب الله»، ولكن تعميم هذه النتائج يحتاج لمزيد من البحث.
أولاً بناء على استمارات جرى تعبئتها من المشاركين قبل بدء النقاش يتبين التالي: أن المحايدين أقل مشاهدةً لقناة «المنار» وأقل استماعاً لخطب السيد حسن نصرالله. أما داخل الشريحة العونية، فالإناث أقل مشاهدةً لـ «المنار» ولخطب السيد مقارنة بالذكور (يستمعون لأغلب خطب السيد)، ويبرز تفضيل الإناث لقناة الـ .MTV هذا الفارق يعود، على ما يبدو، الى درجة التسييس لدى الذكور بموازاة ميل الإناث نحو المواد الترفيهية أكثر. تبرز بالمجمل قوة قناتي MTV و LBC في تشكيل تصورات المسيحيين وهذا له انعكاساته السياسية الهامة نظراً لتوجهات المحطتين المخالفة لـ «حزب الله».

يتشارك شباب «التيار» والمحايدون في اعتبار «حزب الله» حزباً معتدلاً لا متطرفاً، إلا ان العونيين يعتبرونه بالمجمل «معتدل»، فيما اعتبره المحايدون «معتدل نوعاً ما». إلا أن الإجابات بخصوص ثقافة «حزب الله» الدينية، كانت أقل إيجابية بين «معتدل الى حد ما» و «لا أعرف». لا سيما لدى المحايدين. بناء على النقاشات حول أسئلة محددة شملت المجموعات الأربع المذكورة، جرى التوصل للآتي:
أولاً، يتصدر دور «حزب الله» العسكري في المقاومة ومواجهة التكفيريين المكانة الأولى في العناصر الأكثر جاذبية عند المشاركين. يميل الذكور للتركيز على موارد الحزب الصلبة (قوة المنظمة، انضباطها) فيما ركزت الإناث على صدقية السيد نصر الله والكاريزما الخاصة به (موارد ناعمة). بالمقابل اعتُبرت الإيديولوجية الدينية للحزب ونمط الحياة المحافظ أبرز العناصر غير الجذابة، إلا أنها لم تُعتبر تهديداً، أقلها في المستقبل المنظور، بل وُضعت في خانة الحريات الشخصية خاصة أن الحزب لا يحاول فرض ثقافته على الآخرين، ولأن الحزب ليس متطرفاً كما أثبتت وثيقة التفاهم بحسب قول أحد المشاركين. وقد أثيرت بشكل أقل أهمية بعض الممارسات التي تنمّ عن احساس بفائض قوة عند بعض الشباب الشيعي (ليس بالضرورة شباب الحزب) من خلال ممارسات تخالف القانون وتستخف بهيبة الدولة. إلا أنه يلاحظ أن المحايدين أبدوا هاجساً مستقبلياً من إيديولوجيا الحزب عند تغير القيادة الحالية التي يعتبرونها ضمانة أساسية. لا يغيب سماحة السيد عن أي من مفاصل النقاش، يختصر أحدهم حضور السيد الوجداني بالقول «لما يطل السيد بتبلش أمي تصلّب وتدعيله».

ثانياً، غياب أي قلق من أن يحاول «حزب الله» فرض ثقافته عليهم كما تروج قوى «14 آذار». هذا الرفض استند على حجج عدة، التجربة التاريخية للحزب مع المسيحيين، عقلانية الحزب، دفاع الحزب عن المسيحيين في سوريا ولبنان، الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، ولكون «السيد نصر الله أذكى من ذلك» يقول أحد المشاركين، فيما ذكر آخرون تعاون الحزب مع بلدية الحدث لحفظ «خصوصيتها المسيحية» كمثال. يُلاحظ وجود تصور قوي بأن الحزب يشكل ضمانة للمسيحيين، لسبب إضافي، وهو في كون الشيعة والمسيحيين أقليات تتشارك تهديدا وجودياً من «المتطرفين السنة»، ولذا فهم يتشاركون مصيراً واحداً، ويظهر الحزب كحامي للأقليات والتنوع في المنطقة.
ثالثاً، يبرز وجود علاقة إيجابية بين الاحتكاك الدائم (بسبب السكن، الدرس، العمل… إلخ) مع المناطق الشيعية والتصور الإيجابي تجاه الحزب، أي كلما أختبر الشخص «حزب الله» عن قرب كان موقفه أكثر أيجاباً وهواجسه أقل نتيجة وجود تجربة مباشرة تبدد حملات التخويف الممنهجة. «من يسكن قرب مناطق الحزب لا يمكن خداعه بدعاية 14 آذار بأن الحزب متطرف ويشكل خطراً على المسيحيين» يقول أحد المشاركين. فيما يستشهد آخر بالقول «أنا أشرب الكحول في الجنوب من دون أن يتعرض لي أحد»، في حين يذكر أخر أن أصدقاءه القواتيين من قرى جنوبية يمدحون أمامه سلوك الحزب تجاههم.

رابعاً، رفض المشاركون اعتبار الحزب يمثل «ثقافة الموت» بل إن دور الحزب في المقاومة ومحاربة التكفيريين كان ضرورياً ليمارس اللبنانيون «ثقافة الحياة» كما يشاؤون. وكان لافتاً ان عدداً من المشاركين رفض وصف المقاومة كثقافة موت باعتبار أن دور المقاومة يشبه دور المسيحيين في الجيش اللبناني أو في «المقاومة المسيحية». أشار كثير من المشاركين الى كون المقاومة هي قيمة مشتركة مع «حزب الله»، بلحاظ تجربة «المقاومة المسيحية». كيف يمكن أن تكون المقاومة «ثقافة موت»، في حين أن معظم مقاتلي الحزب هم خريجو جامعات ويقاتلون لحماية عائلاتهم، فالمقاومة ليست مسألة دينية فقط، بل خيار حياة، يقول أحد المشاركين.

خامساً، هناك إجماع على أن «حزب الله» التزم تماماً تجاه «التيار الوطني الحر» كما نصّت عليه وثيقة التفاهم. «حزب الله» موثوق وأمين ويمكن الاتكال عليه كما يرد في عبارات المشاركين. يتفهم المشاركون حصول افتراق ظرفي بين الطرفين لأن التفاهم لا يفترض التطابق إلا في القضايا الجوهرية. وعليه جرى تقويم التفاهم بكونه خطوة ممتازة وأتاح إزالة الالتباسات التي اعترت صورة «حزب الله» في الوعي المسيحي (لم يعد الحزب يخيفنا كما في الثمانينيات، يقول مشارك) وخلق فرصاً للتعاون والاحترام المتبادل وهذا ما يجب تعميقه، بحسب ما ورد في النقاشات. «نشكر الله على التفاهم، لقد أصبحنا نفهمهم بشكل صحيح» يقول أحد المشاركين. والأهم ما كشفه جملة من المشاركين عن تحول في مواقف ذويهم من التفاهم، ومن ضمنهم من كانوا سابقاً ضمن القوات اللبنانية، والذين تعاملوا بعدائية او تشكيك عال مع التفاهم في الـ2006، ولكنهم اليوم يعتبرون أن خطوة عون كانت صحيحة تماماً. يعبّر أحدهم عن عمق هذا التحول بالقول: «أنا لا أصدق أن والدي أصبح يحب حزب الله الان».

سادساً، الموقف شديد السلبية تجاه السياسة الأميركية برغم الإعجاب بالثقافة الغربية. تبرز الولايات المتحدة في كلمات المشاركين باعتبارها مصدراً للفوضى والصراعات، حامية لإسرائيل، داعمةً لـ «داعش»، ومضرّةً بالمصالح والوجود المسيحي في الشرق. بل إن بعض المشاركين ذهب الى استعارة مفردات «حزب الله» في مخاطبة الأميركين، «إن نظرت جيداً الى الدور الأميركي فإنك ستفهم تماماً ما يعنيه شعار «الموت لأميركا»، «أميركا هي العدو بذاته»، «كل شيء سيء هو بسبب أميركا»، يقول المشاركون من «التيار الوطني الحر»، فيما كانت تعابير المحايدين أقل حدة برغم التعبير عن ذات الموقف السلبي تجاه السياسة الأميركية.

سابعاً، بخصوص إيران، تراوحت الآراء بين الإعجاب بصعود إيران كدولة قوية وبحضارتها، وبين الانتقاد لطبيعة «النظام الديني المتشدد» فيها، مع بعض الهواجس من طموحاتها الإقليمية في المستقبل. إلا أن الغالب كان عدم المعرفة بإيران (الأغلبية لا تعرف بوجود مسيحيين في إيران)، مترافقاً بفضول التعرف عليها عن كثب. تتعزز هذه الضبابية بجهل كبير بمفهوم «ولاية الفقيه» بما دفع البعض لربطه بفكرة إقامة دولة إسلامية في لبنان، هذا «الجهل» يسهّل التلاعب بفهوم ولاية الفقيه من قبل خصوم الحزب.

في موازاة قوة الرسائل الثقافية التي يحرص «حزب الله» على تضمينها في خطابه تجاه المسيحيين، إلا أن التبادل الثقافي المباشر يبدو غائباً الى حد بعيد، وهو ما يترك فراغات تشكل مساحات قد يتسلل إليها من يسعون لزرع القلق والتباعد بين الطرفين، لا سيما لدى شرائح الشباب. وبالسياق ذاته، ألا تحتاج إيران أيضاً لخلق منصة تفاعل مباشر مع البيئة المسيحية؟ التجربة الثقافية الإيرانية الغنية والمتنوعة، من الموسيقى الى السينما الى النهوض العلمي والحضاري، يمكن أن تشكل مدخلاً لهذا التفاعل الضروري. العقل الأميركي تحرجه تحولات العلاقة بين «حزب الله» والمسيحيين، «هذا جنون» علّق الكاتبان تيد ديكر وكارل ميديرس في كتابهما «جلسة شاي مع حزب الله» عند علمهما بالتحالف بين «حزب الله» والقوة السياسية المسيحية الأكبر في لبنان، «الأميركيون يريدون كل شي لطيف ومرتب، الخير بمواجهة الشر ـ المسيحيون على الجانب الخيّر بالطبع»، يختم الكاتبان.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *