السيد نصر الله: تطويع القوة

19/01/2015

موقع العهد، 17 كانون الثاني 2015

 

عادةً ما ينجذب المستمعون الى مواقف القوة والبأس والتحدي في كلام السيد، وهي المواقف التي تنال الحظ الأكبر من التغطية الإعلامية والتحليل والبحث. إلا أنه لا يمكن لمتفحص حين يستمع لخطاب السيد نصر الله، ولحزب الله عموماً، إلا أن يجذبه ذلك التواضع والهدوء والتوازن في تقدير الذات والخصوم على السواء، وذلك الإدراك والإلمام بتحولات موازين القوى. لا يتطلب ذلك أن تنطبق حسابات وخطط الحزب وتقديراته بشكل كامل، لكن يكفي أن هذا الحزب رغم ما يمتلكه من عناصر القوة والإنجازات، أن يبقى متوازناً وواقعياً تجاه التحديات المحيطة به.

 

 


الخطر الأكبر في امتلاك القوة هو الشعور الناتج عنها. القوة هي أكبر مولد للأوهام. كلما زادت القوة زادت مخاطر المبالغة في تقدير الذات واحتقار الأعداء، وارتفعت احتمالات إنكار التحولات رغم أن موازين القوة لا تعرف السكون. على سبيل المثال، الولايات المتحدة بكل مؤسساتها وخبرائها وتجاربها وباحثيها ومفكريها، ارتكبت خطأَ كارثياً في العراق بفعل تلك العنجهية الناتجة عن فائض القوة المهول الذي تمتعت به على الساحة الدولية. هناك مقولة رائجة مفادها ” من يملك مطرقةً يرَ كل المشاكل على أنها مسامير”، لا شك أن “مطرقة” الحزب متينة ومميتة، ولكن ذلك في جزء منه يعود الى توازن الحزب وعقلانيته التي “تقنن” استخدامه لتلك المطرقة في الزمان المناسب والمكان الملائم وبالمقدار الضروري.

 

 


في المقابلة الأخيرة يقول السيد إن كل خرق إسرائيلي للسيادة اللبنانية هو خرق لخط أحمر، ولكن الرد لا يمكن أن يكون تلقائياً، لا بد أن يكون “الأحمر” على درجات بعضه يجب غض النظر عنه في لحظة ما. رغم ما حققه الحزب بوجه “إسرائيل” إلا إنه يدرك حدود التوازن والردع، ويقيسه كما يقاس الذهب. حين يتحدث سماحته عن الجليل يقف عند كلمة “قد” تطلب المقاومة من مجاهديها الدخول الى الجليل، لأنه يدرك أن لقرار كهذا جملة من الشروط والمقدمات المرهونة بلحظة القرار. في سوريا، لا يتحدث السيد عن “الحسم” بل عن التمكن من حماية الدولة والنظام، وحفظ دور سوريا في محور المقاومة. يقول إن السعودية هي الأضعف ميدانياً في سوريا، ولكن دخولها التسوية يرفع من فرص نجاحها، أي يقر بتأثيرها ودورها. حين يتحدث عن حماس، لا يذهب سماحته للقول إن حماس عائدة الى محور المقاومة لأن العداء مع سوريا يحول دون ذلك، بل هناك توجه لإعادة تمتين العلاقات الثنائية بين الحركة وكل من الحزب وإيران تحت عنوان “المقاومة”.

 

 



حتى على صعيد الداخل اللبناني، حيث يمكن للبعض القول إن للحزب فائض قوة واضحاً، إلا ان الحزب لم يسع للحظة واحدة للتفرد بالحكم حتى بعد أحداث أيار 2008. في ذروة الاشتباك المحلي كان الحزب يركز على مصطلح “الشراكة” فقط، هذا الحزب الذي يقلب الموازين الإقليمية جل ما يريده في الداخل أن لا يجري تهميشه واستبعاده. إحدى إشكاليات الحزب مع بعض جمهوره هي في أن الحزب ليس “ثورياً” كفايةً في شؤون الداخل كما هي حاله في المقاومة. يدرك الحزب التوازنات الطائفية والمذهبية وما تفرضه من قيود وأعباء، ولذا لا يغامر في القفز فوقها، رغم أن ذلك قد يبدو مغرياً أحياناً.  مهارة الحزب تتجلى في أنه يقايض السلطة بالتأثير. يتخلى عن مكاسب سلطوية لكي يضمن تأثيراً يجعله شريكاً حاسماً في اللعبة اللبنانية. بالمقابل امتلك بعض الافرقاء اللبنانيين 1% من قوة الحزب العسكرية فذهبت بهم الحال الى السعي للتفرد بحكم البلاد.

 

 



هذا التوازن في التعامل مع مخزون القوة الهائل في حزب الله هو صمام الأمان الذي يلعب فيه السيد نصر الله دوراً أساسياً. هذا التوازن في مقاربة القوة عند قيادة الحزب يعود الى عوامل الخبرة والنضج والتعلم وملكة الصبر وحس المسؤولية والرؤية الإستراتيجية ومهارة ترتيب الأولويات والزهد أمام المكاسب الآنية. بقدر ما يبدو السيد جذاباً في إبرازه للقوة التي تتمتع بها المقاومة، إلا أن مقداراً أكبر من الإعجاب ينتج عن رؤية هذا العقل البارد المتزن القادر على الإحاطة بحدود قوته ومواضع النقص والضعف. القوة في لحظة ذروتها تتملك صاحبها فتنقلب من وسيلة الى غاية، الى أن تبتلع صاحبها، وهذا ما يراهن عليه خصوم المقاومة في جملة ما يراهنون عليه، ولذلك تقلقهم واقعية السيد وعقله البارد في مقاربة قوة المقاومة بمقدار ما يقلقهم “الفاتح 110”.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *