الحلم الصيني

22/11/2015

صحيفة السفير، 13 تشرين الثاني 2015

 

 

«هل حصلتَ اليوم على وجبة طعام؟»، هي الجملة الصينية الأكثر تداولاً خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، على ما يتذكّر الأستاذ الجامعي لي هونغ. تختصر هذه الجملة حجم المأساة التي مرّ بها الصينيون قبل دخول مرحلة الإصلاح والانفتاح. لن يصدّق مَن يجول في مقاطعات ومدن الساحل الصيني حجم التحولات التنموية والاقتصادية التي نجح الصينيون في إنجازها. المرافق العامة، الطرقات السريعة، الأنفاق، وسائل النقل العام، البنى التحتية، الأبراج، المجمّعات السكنية والأعمال التجميلية، كلها تضاهي تلك التي في أفضل الدول الغربية. للمعجزة الصينية الكثير من الظروف والجذور والقيم، المعجزة التي نقلت 1,3 مليار من البشر من جوعى الى حالمين.
في الوقت الذي سعى فيه المضيفون الصينيون الى إبهارنا خلال 20 يوماً من المحاضرات والجولات والزيارات، غير أنّهم لم يتخلّوا لحظةً عن الواقعية، في كل مرة يخبرونك عن إنجاز أو هدف يرفقونه مباشرة بالحديث عن تحدٍّ وإخفاق ومشكلة. يختصر الصينيون حلمهم بثلاثية الوصول الى صين مزدهرة وقوية، إحياء الأمة الصينية، وحياة كريمة للشعب الصيني. هذا الحلم ليس متروكاً لمزاج النخبة الحاكمة أو الأقدار والمصادفات، بل له خطة استراتيجية، تتألف من أربعة عناصر: بناء مجتمع مزدهر حديث، تعميق سياسة الإصلاحات، التطبيق الشامل لدور القانون، وتمتين الانتظام داخل الحزب الشيوعي.
في نظام الحزب الواحد، يتفاخر الصينيون أن محاربة الفساد تتقدّم في البلاد بدليل وصول المحاسبة الى رتب عالية في الحزب الشيوعي الصيني. يبدو انتقاد الحزب الحاكم متاحاً، وإن كان اهتمام الناس بالسياسة ضعيفاً. لا يكتفي الحزب الشيوعي بمشروعية الإنجازات التنموية والاقتصادية، بل يعززها بفرض هيبة احترام النظام العام، وثم إظهار التكريم للمواطنين. حينما حطت طائرتنا في مطار فوزهو بعد رحلة داخلية ودخول الركاب لقاعة المطار، وقف موظف رسمي وقدّم التحية العسكرية لحين عبور المواطنين، في إجراء مليء بالدلالات.
والأهم إدراك الحزب الشيوعي أن مستقبل التجربة الصينية مرتبط بقدرته على ترشيق ذاته. الحزب ليس مستأنساً بمعجزته، ولا يطمس ضرورة إصلاح وتطوير ذاته تحت حجج «ضرورات المرحلة» و«الظروف الخارجية» وما شاكلها. يتصرّف الحزب الشيوعي الصيني من منطلق أن الإصلاح الذي تؤجله اليوم سيسلبك في مقبل الأيام نجاحات الماضي. وعليه يدرك الشيوعيون الصينيون أن «الحلم الصيني» يستوجب منهم المزيد من «الحزم في إدارة الحزب»، «وخوض حملة فعالة لمكافحة الفساد داخل الحزب كأساس لنجاح النظام السياسي والاقتصادي في البلاد».
المناطق الساحلية التي تجوّلنا بها كانت الأكثر نهوضاً بسبب سياسة الإصلاح والانفتاح، إلا أن ذلك خلق فجوة هائلة بين الساحل (الجنوبي الشرقي) وبين الداخل الصيني في الغرب، وبين الأرياف والمدن. ففي حين يصل دخل الفرد في منطقة ماكاو الإدارية الخاصة الى 50,000$، لا يتجاوز دخل 700 مليون فلاح صيني الـ 900$. يربط البعض هذه الحالة بنظرية «التطبيق الاستراتيجي للقطب النامي»، التي تقوم على ضرورة تشكيل قطب نامٍ بدايةً في منطقة محدّدة ومراكمة الفوائض فيه وإنضاج التجربة والاستفادة من مزاياه التفاضلية، ثم لاحقاً يبدأ هذه «القطب» بالإشعاع وإرسال فوائضه الى المناطق الفقيرة ليستفيد من مواردها المحفوظة وخلاصات التجربة والابتكارات التقنية، وحينها تكون حانت فرصة هذه المناطق للالتحاق بركب النهوض والتنمية، كما المناطق الأولى.
ستستمرّ الصين في توسعة وتطوير سياسة الإصلاح والانفتاح التي يعتبرها الصينيون القوة المحرّكة للتنمية في الصين، على قاعدة أن «السهم متى أطلقته من قوسه، لا يمكنه العودة أبداً». لا يتفاجَأ الصينيون من تراجع النمو الاقتصادي برغم بقائه بحدود 6 ـ 7 في المئة سنوياً، فهذا أمرٌ لا مفرّ منه بعد حالات النهوض العالية ونظراً لأزمات الاقتصاد الدولي، وتبدو آثار هذا التباطؤ واضحة من خلال ضعف حركة التسوق وارتفاع كلفة المعيشة. تجربة مناطق التجارة الحرّة هي جوهر سياسة الإصلاح والانفتاح بما تحمله من قدرة وحوافز على جذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد، وقد طوّر الصينيون مؤخراً آلية إدارية تسمح للمستثمر الأجنبي إنهاء معاملة المصادقة على مشروع استثماري بيوم واحد فقط.
تحدٍّ آخر تواجهه الصين يكمن في انتقالها إلى «مجتمع هرم» (30 في المئة من السكان هم فوق 60 سنة) بفعل سياسة «الولد الواحد» التي جرى إلغاؤها الشهر الماضي. يترك هذا الخلل نتائج قاسية على قوة العمل، إذ تعاني الصين من النقص في عمال المصانع في الوظائف المنخفضة الأجر، مما يدفعها لاستجلاب عمال من الدول الفقيرة المحيطة بها. يفضل الصينيون احتساب الاقتصاد بعامل المال والزمن معاً، مثلاً حينما يقولون إن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في إقليم فوجيان (مقابل جزيرة تايوان) يمثل فقط 46 في المئة بالمقارنة مع ذلك الناتج في تايوان، فهذا يعني أن فوجيان متخلّفة عن تايوان بـ 10 سنوات في هذه المسألة.
تقف الصين اليوم أمام تحدٍّ مصيري يتمثل في الانتقال من التقليد الى الابتكار لتتمكّن من الاحتفاظ بفوائض الأرباح في شركاتها. في العام 1985، قام مدير شركة «هاير» الصينية بتحطيم 76 براداً مصاباً بعيب تصنيعي أمام موظفي الشركة، رافضاً عرضاً ببيعها بسعر منخفض للموظفين. التحطيم في الواقع كان لمفاهيم اللامبالاة والكسل والإهمال والتسيّب السائدة حينها عند العمال، وشكلت الخطوة قفزة نوعية في حياة الشركة التي ما زالت تعرض المطرقة في مقرها الرئيسي. واليوم يُصرّ الصينيون على الانتقال نحو طور جديد وخلق مفاهيم جديدة في سوق العمل، بأن التقليد الجيّد لم يعد كافياً، فلا بد من الابتكار وخلق بصمة صينية خاصة قادرة على المنافسة واختراق الأسواق العالمية.
في الوقت الذي تسعى الصين للانفتاح الاقتصادي على العالم والغرب، إلا أنها شديدة الحذر في ما يخص الشأنين السياسي والثقافي. السيطرة المعلوماتية على شبكة الإنترنت مذهلة، إذا يتعذر الوصول الى منتجات «غوغل» إلا من خلال برامج مدفوعة للتحايل على الإجراءات الحكومية، بالإضافة للرقابة المشدّدة على المواد اللاأخلاقية. تؤمّن الصين لشعبها برامج مشابهة لـ «واتس آب» و «فايس بوك» تغنيه عن الحاجة للشبكات العالمية، لا سيما أن أقلية صينية تتقن الإنكليزية، فحاجتهم الأساسية للتواصل هي محلية وداخلية. هذه السيطرة لها أبعاد سياسية ـ أمنية مثل القلق من الثورات الملوّنة التي يتوق الأميركيون لإثارتها داخل الصين في ما لو تسنى ذلك لهم، على ما يقول أحد المحاضرين الصينيين.
حتى على مستوى القنوات المحلية، فهي مكتفية ذاتياً بنسبة عالية جداً وقادرة على تلبية كل حاجات الجمهور (رياضة، ترفيه، فنون، سياسة، أفلام، تراث، عالم الحيوان… إلخ) وإن كانت بعض البرامج ذات أصل غربي إلا أنه تمّ تكييفها مع الثقافة المحلية لمحاكاة أجيال الشباب. ويحظر القانون الصيني على المستثمرين الأجانب الدخول الى مجالَي الصحافة والإعلام، لدواعٍ سياسية بالمقام الأول. هذه القدرة على تأمين انفتاح اقتصادي واسع بالتوازي مع حفظ الخصوصية الثقافية أمر شديد التعقيد، لكن ما يسهّله للصين نضجها الحضاري، وقوة النظام السياسي، وضخامة عدد سكانها بما يضمن سوقاً داخلياً واسعاً للإعلام المحلي.
في السياسة الخارجية يُصرّ الصينيون على خطاب شديد المسالمة والمثالية والدعوة للعمل المتعدّد الأطراف بدل السعي للهيمنة (السنن التاريخية تقول إن كل سعي للهيمنة مصيره الفشل، يقول لي هونغ). كما يُصرّون على الشراكة لا الأحلاف (بنهاية 2014، بنت الصين 70 شكلاً من الشراكة مع دول ومنظمات إقليمية نحو شبكة عالمية من الشراكات)، وعلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن منطق اللعبة الصفرية لمصلحة معادلة إربح ـ إربح كما في «مبادرة الحزام والطريق» (أو الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحرية للقرن 21)، والعمل لخلق مصالح مشتركة من خلال الاقتصاد (التبادل التجاري مع دول مجموعة «آسيان» بلغ 441,6 مليار $ لتصبح الشريك الثالث للصين بعد الولايات المتحدة وأوروبا).
في مقابل سعي واشنطن لإثارة هلع جيران الصين ودفعهم لاحتوائها، تُصرّ الصين على بث الطمأنينة وفتح الخطوط بما فيها مع خصمها التاريخي في تايوان. عندما سألنا أحد الأساتذة الجامعيين الصينيين عن تشبيه نابليون للصين بأنها «أسد نائم»، أجاب: اليوم يستيقظ الأسد ولكنه «مسالم، ظريف، ومتحضّر». طبعاً، برغم فهم دواعي هذا الخطاب الصيني الناعم، إلا أن السياسة الدولية وسلوكيات الدول أشد تعقيداً بكثير مما يوحي الصينيون، إلاّ أن هذا الخطاب هو جزء من استراتيجية الصين في «الصعود السلمي».
أحلام كبرى تكتنزها الصين وجهود جبارة لا تنقطع، إلا أنها مقرونة بالمعرفة والتواضع كما يتجلى في المقولة التالية: «أي مشكلة صغيرة في الصين يمكن أن تتحول مشكلة عظمى إن ضربناها ب 1,3 مليار نسمة، وأي إنجاز كبير يمكن أن يصبح صغيراً جداً إن قسمته على العدد ذاته». العالم منشغل بأحلامه والسعي للريادة، حلم غربي مضطرب في الولايات المتحدة، وحلم شرقي طموح في الصين، فيما نتقلّب نحن بين كابوس وآخر وسؤالنا الأساسي «هل لا زلتُ حياً؟»

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *