«إسرائيل فالي» ومغامرة الدور الجديد

25/05/2019

الأخبار، 15 شباط 2019

 

ارتبط المشروع الصهيوني في بلادنا، منذ البداية، بالمصالح الغربية المتمثلة في محاولة إخضاع شعوب المنطقة والهيمنة عليها. خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وفي سياق احتواء مشروع محمد علي في المشرق والذي لامس حدود الآستانة (قلق الأوروبيون حينها من طلب السلطان الدعم من روسيا وقدوم أسطولها إلى المتوسط) قدمت بريطانيا الدعم للسلطان العثماني. وفي هذا السياق، طلب وزير خارجية بريطانيا “بالمرستن” من سفيره في إسطنبول محاولة إقناع السلطان وحاشيته بأن الحكومة الإنكليزية ترى أن الوقت أصبح مناسباً لفتح فلسطين أمام هجرة اليهود. وأهمية فلسطين بالنسبة إلى البريطانيين كانت لضمان السيطرة على قناة السويس، باعتبارها نقطة ارتكاز على طريق الحرير من الهند إلى المتوسط. 

وخلال الحرب العالمية الأولى، حاول الألمان إقناع العثمانيين بالتعاون مع الطموحات الصهيونية في فلسطين لجذب الموارد اليهودية، بعيداً عن بريطانيا. ففي عام 1914، أبلغت وزارة الخارجية الألمانية سفيرها في القسطنطينية بأنه: “لا يمكن إنكار أن مما يشكل تماماً، في اللحظة الراهنة، حكمة من الباب العالي، هو أن يحاول من خلال المعاملة المتساهلة مع الصهيونية كسب تعاطف اليهودية العالمية، وخاصة في أميركا”. ولذا كان من جملة المبررات التي قدمها بلفور لدعم إقامة “الوطن اليهودي” حجة التصدي لجهود ألمانيا لاجتذاب الصهانية. 
في المحصلة، كانت قدرة المناورة لدى الحركة الصهيونية ومواردها في لحظة احتدام صراع القوى الدولية عاملاً حاسماً في تحويل “الحل الصهيوني” إلى واقع صلب. ومنذ العدوان الثلاثي على مصر، ومن ثم الحروب العربية ــــ الإسرائيلية في حقبة الحرب الباردة، سعت “إسرائيل” إلى التأكيد دوماً للقوى الغربية أنها تمثل خياراً ضرورياً وشريكاً لا غنى عنه لإخضاع المنطقة وسحق مشاريع الاستقلال والتحرر الوطني والتكامل الإقليمي. منذ البداية، لم يكن الرهان الغربي على اليهود الصهاينة نابعاً من فراغ، بل من نجاحهم في إقناع الغربيين بقدرتهم وكفاءتهم على أداء دور وظيفي فاعل داخل المنطقة، انطلاقاً من “الدولة اليهودية”. 

 

التحول إلى عبء
تمكّن الكيان الصهيوني من أداء هذا الدور حتى نهاية الحرب الباردة من خلال امتلاك قدرة المبادرة الاستراتيجية داخل المنطقة ونقل الحرب إلى أرض الخصوم وخوضها على جبهات متوازية. ألحقت القوة العسكرية الإسرائيلية أضراراً جسيمة بمشاريع قومية واستقلالية متقدمة، كما في التجربة الناصرية واستلحقت معظم النظام الرسمي العربي وقوّضت النفوذ السوفياتي داخل المنطقة. بإثبات كفاءتها في المبادرة الاستراتيجية، تمكّنت “إسرائيل” من اجتذاب دعم غربي هائل وإقناع الغرب بأن عوائد دعمها مالياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً تتجاوز بكثير الأعباء المادية والسياسية والأخلاقية المترتبة على الغرب نتيجة دعمه حروب “إسرائيل” وانتهاكاتها الصارخة. 
لكن مع نهاية الحرب الباردة وخضوع أغلب أنظمة المنطقة للولايات المتحدة، ظهرت نقاشات في واشنطن حول استمرار جدوى دعم “إسرائيل”. سارع قادة الكيان الصهيوني الى تأكيد جدوى كيانهم من خلال محاولة الاستثمار في البيئة الإقليمية الجديدة بطرح فكرة “الشرق الأوسط الجديد” لصاحبها شيمون بيريز. بنى بيريز جزءاً من أطروحته على أن التطور والتوسع الذي بدأ يبرز في الأنظمة الصاروخية التقليدية وغير التقليدية لا حل عسكرياً له، وقد قوّض فكرة العمق الجغرافي الآمن. ولذا نادى بيريز بالاندماج التنموي والاقتصادي الإقليمي، بما يتيح لإسرائيل الاستفادة من ريادتها التكنولوجية ونفوذها الدولي لتصبح مركز الإقليم وعقدة مواصلاته المطلة على المتوسط نحو العالم. 
إلا أن مشروع المقاومة بدأ منذ أواسط التسعينيات يثبت نفسه كمتغير قادر على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية. حاول الكيان الصهيوني استخدام قدراته العسكرية لامتصاص صعود قوى المقاومة لكن من دون جدوى، وصولاً إلى تحرير جنوب لبنان وقطاع غزة. إلا أنه رغم ذلك كان لدى الصهاينة اعتقاد بأنهم ما زالوا قادرين على استخدام المبادرة الاستراتيجية واستعادة التوازن وسحق قوى المقاومة، وتقاطع مع هذا الظن، الحاجة إلى إثبات الذات والفائدة للإمبراطورية الأميركية المتهالكة الغارقة في الصحراء العراقية بعد غزو 2003. 
بناءً على هذه المعطيات، بادرت “إسرائيل”، بطلب أميركي، عام 2006 نحو حرب واسعة ضد حزب الله لتكتشف بمحصلة الحرب أنها أمام واقع مختلف تماماً، وأن التراكم الكمي لقوى المقاومة قد أدى إلى تحول نوعي لم يعد من السهل تداركه. وتعزز هذا الإدراك مع العجز عن حل تحدي المقاومة الفلسطينية في غزة. مع هذا التراجع الوظيفي لإسرائيل، ومع ما توصل إليه تقرير بايكر ــــ هاملتون عن ضرر الدعم الأميركي لـ”تل أبيب” وسياساتها العدوانية على المشروع الأميركي في المنطقة، استجد النقاش الأميركي عن جدوى الدعم الأميركي الهائل للكيان الصهيوني. ومنذ حينها، يكرّس باحثو معهد واشنطن الصهيوني عشرات المقالات والدراسات تحت عنوان إثبات جدوى دعم “إسرائيل” للأمن القومي الأميركي.

 

نحو الردع الجاري
مع هذا التراجع الذي بدأ يصبح سهل الإدراك من أعداء “إسرائيل”، انتقلت جهود الكيان نحو تعزيز العمليات الأمنية (اغتيال الحاج عماد مغنية ومساعد الرئيس السوري محمد سليمان وكوادر من حركة حماس مثل محمود المبحوح) وتعزيز القدرات الدفاعية (ولا سيما على الصعيد الصاروخي)، والضربات التكتيكية (الغارة الإسرائيلية على المفاعل المزعوم في دير الزور 2007) والهجمات السيبيرية على المنشآت النووية الإيرانية وتفعيل الحملات الإعلامية والدبلوماسية ودعم جهود العقوبات الأميركية والتحريض عليها. كل هذه الإجراءات والسياسات هدفت على الأقل إلى منع قوى المقاومة من مراكمة عناصر القوة والتشبيك وتوحيد الجبهات، بانتظار أن تلوح فرصة تتيح لـ”إسرائيل” استعادة المبادرة، وهو ما كان مع اندلاع الحرب السورية. 
قدمت ظروف الحرب السورية فرصة مثالية لـ”إسرائيل”، إلا أنها بالمحصلة كشفت لها أنها خسرت قدرة المبادرة الاستراتيجية. فرغم ما حملته الحرب من استنزاف وانكشاف لمحور المقاومة، سوريا وحزب الله على وجه التحديد، لم تغامر “إسرائيل” بالذهاب نحو الحرب، برغم ما تلقته من تحريض وتشجيع لسلوك هذا الخيار. إن أحد أبرز نجاحات محور المقاومة في ردع “إسرائيل” يتمثل في دمج الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالكامل في أي حرب مقبلة وكشفها أمام منظومة هائلة من القدرة النارية. استعاض كيان الاحتلال عن المبادرة الاستراتيجية بتفعيل “الردع الجاري” أو الضربات التكتيكية لضبط تعاظم قدرات محور المقاومة.
خلال الحرب السورية، حاول الصهاينة تطوير المبادرة التكتيكية وتنشيطها تحت عنوان منع تعاظم قدرات حزب الله في ما يخص الاستحواذ على أسلحة دقيقة كاسرة للتوازن ونقلها ومنع إيران من تثبيت وجودها العسكري في سوريا، سواء المباشر أو عبر القوى الحليفة (وهذا ما يطلق عليه “المعركة بين حروب”). وأخذ قادة العدو يكررون التأكيد على هذه الخطوط الحمر التي سيلتزم كيانهم بها ولو كانت كلفتها التدحرج نحو الحرب (إحدى الأفكار التي طُرحت تمثّلت في أن تستفيد “إسرائيل” من تفوقها الناري الهائل وتنفيذ ضربة لعدة أيام، ثم إيقاف الحرب من طرف واحد). بعد عام 2013 تحديداً، عزز الصهاينة هجماتهم داخل سوريا تحت العناوين الآنفة الذكر، ثم أخذت الهجمات بالتزايد ولا سيما حين اتضح أن مشروع إسقاط الدولة السورية سلك مساراً مختلفاً. 
في آذار 2018، حاول يانيف فريدمان قراءة تجربة “إسرائيل” في الرد على تحدي حركة فتح في لبنان بين 1970 – 1972 لاستكشاف فوائد نظرية الاستنزاف، في ظل التحديات الجديدة التي يواجهها الكيان. يعتقد فريدمان بأن التفوق الاقتصادي والتكنولوجي لـ”إسرائيل” يمنحها الأفضلية على خصومها في حرب الاستنزاف، إذ إنها ستفرض عليهم أثماناً وتكاليف باهظة ستقوض قوتهم على المدى الطويل، وفي المقابل سيكون الضرر اللاحق بإسرائيل محدوداً ومقبولاً داخلياً، وحتى على مستوى المشروعية لن يعارض المجتمع الدولي هذه الضربات الموضعية كونها محدودة وتجري في إطار الرد والدفاع. يستذكر الكاتب مقولة لرئيس الأركان أليعازر عندما عرض عليه اجتياح بيروت عام 1972 رداً على تصعيد حركة فتح: 
“أنا شخصياً، لا أومن برد عملاني استراتيجي وحيد تنتهي به الحرب. لو كنت أعتقد جازماً بأن احتلال بيروت سينهي الحرب لكنت اقترحت ذلك. أعتقد بأن الأسلوب هو أسلوب تراكم العمل الفعال الدؤوب وتحميل الدول المجاورة عبئاً ثقيلاً وجعل ذلك لا يطاق”. 
تهدف الهجمات التكتيكية إلى منع تعاظم قوة الخصم واستنزافه، ومن خلال ذلك إما أن يتحقق نوع من التراكم يسمح بالحسم العسكري وإما أن يضرب إرادة القتال عند الخصم وإغراقه باليأس. فالضربات التكتيكية ينبغي أن تكون جزءاً من معركة أكبر يفترض أن تظهر نتائجها بشكل متدرج وموزون. إلا أن كيان العدو، مع انتهاء الأعمال العسكرية الأساسية داخل سوريا، بدأ يكتشف أن قدرته على العمل التكتيكي بدأت تتقلص إلى حدود واسعة. بدأ محور المقاومة في الأشهر الأخيرة بإظهار جرأة أكبر في التصدي للضربات الإسرائيلية داخل سوريا (إسقاط طائرة أف 16 فوق الجولان)، وقد صرح السيد حسن نصر الله في أكثر من مناسبة بأنه أصبح من الضروري إيجاد حل لاحتواء هذه الهجمات. ثم تفاقمت المعضلة الصهيونية بعد حادثة التسبب بإسقاط طائرة روسية وتقييد موسكو “حرية العمل” فوق سوريا. بالتوازي، لا تزال إسرائيل مردوعة عن محاولة تحريك توازن الردع في لبنان ولو بعمل تكتيكي، وقد نجح حزب الله طوال السنوات الماضية في إدخال عناصر ردع إضافية إلى العقل الإسرائيلي كبّلته وعقّدت حساباته. 

 

«إسرائيل فالي»
إذاً، “إسرائيل”، التي فقدت مبادرتها الاستراتيجية، تتراجع قدرتها على العمل التكتيكي، وكل ذلك في إقليم يتغيّر ويتحول بشكل غير قابل للتنبؤ، وميزته الأساسية تراجع منظومة الهيمنة الأميركية، فيما يواصل خصومها مراكمة قدراتهم التي تتيح ردع “إسرائيل” ودفعها إلى خلف الجدران (بالمعنى الحرفي)، وهذا ما يجعل الكيان مكشوفاً أكثر لمخاطر أمنية هائلة. إن تراجع قدرة إسرائيل على شن الحروب يقوض دورها الوظيفي، بينما يضع تراجع مبادرتها التكتيكية مستقبلها على المحك لأنه بذلك يصطف عنصر الوقت إلى جانب أعدائها. 
وتذهب بعض القراءات الإسرائيلية إلى أن نجاح إيران في بناء قدرة تقليدية في سوريا سيكون “مظلة” لتستكمل طهران برنامجها النووي. ويبرز القلق الإسرائيلي من نمو القدرات التقليدية لمحور المقاومة، في حديث لعوزي روبين (مؤسس برنامج الدفاع الصاروخي الإسرائيلي) بقوله: “ذهلت قبل سنتين خلال حديثي مع بروفسور في جامعة جنوب كاليفورنيا يدرّس صفوف الماجستير والدكتوراه هندسة طيران أن 20% من الطلاب هناك إيرانيون يأتون من إيران، وأغلبهم يعودون إليها”. بالمحصلة، لا تحتمل تل أبيب خسارة هامش الحركة التكتيكية وتسعى الى استكشاف هامش جديد، سواء من خلال الضغوط الدبلوماسية الدولية أو التفاوض مع الروس أو تفعيل العمل الأمني أو محاولة تحريك موزونة لمسار ينهي توازنات ما بعد 2006 في الجبهة الشمالية.

يتحدث الصهاينة أن مسار العمل الحالي ضد محور المقاومة ثلاثي الأضلاع، اقتصادي (فرض عقوبات مالية واقتصادية) ودبلوماسي ــــ قانوني (ولا سيما محاولة جر أوروبا للتشدد ضد إيران وحزب الله) والنشاط الحركي أو العمليات التكتيكية. يبدو أن الرؤية الإسرائيلية الاستراتيجية الحالية تقوم على إعادة إنتاج الدور الوظيفي للكيان، بعد اضمحلال الدور السابق أي دور “إسبارطة” أو القوة الصلبة. الاستراتيجية تقوم على مكون عسكري دفاعي في الجوهر وهجومي على المستوى التكتيكي لحماية الردع الإسرائيلي، فيما تنقل “تل أبيب” السباق إلى حلبة أخرى وإلى دور وظيفي آخر جوهره “ناعم” هو استعادة لمشروع بيريز للشرق الأوسط الجديد، أي تحويل “إسرائيل” إلى المركز التكنولوجي والاقتصادي والشبكي للشرق الأوسط المتهالك والمشتعل, «اسرائيل فالي» (كمثل «سيليكون فالي» الأميركي). 
هذا الدور الجديد يتمظهر في تكثيف الصهاينة مسار التطبيع وإطلاق مشاريع ومقترحات للتشبيك الاقتصادي الإقليمي، كما في الغاز المصري (جرى أخيراً تأسيس “منتدى غاز شرقي البحر المتوسط” ويضم مصر و”إسرائيل” واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن) ومشروع تحلية المياه مع الأردن ومقترح خط الغاز الممول إماراتياً نحو أوروبا وفكرة خط السكة الحديد نحو الخليج. وأخيراً، تحدث نتنياهو مفاخراً عن الثورة التكنولوجية في “إسرائيل” وعن دمجها في القطاعات التقليدية (مثل الزراعة)، والحديثة (مثل صناعة السيارات والأمن السايبري)، ما يضع الكيان في “موقع ريادي في العالم”. ويختم نتنياهو: “نحن 1% من سكان العالم، ونحصل على 20% من الاستثمارات العالمية والخاصة في مجال الإنترنت”. 
وفي مؤتمر “سايبرتك”، تحدث نتنياهو عن “دبلوماسية السايبر” حيث تعزز “إسرائيل” صناعات السايبر الدفاعية بشكل هائل وتستخدمها للنفوذ والتشبيك في العلاقات الثنائية على المستوى الدولي. وأكمل نتنياهو “إن ثورة البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي تسمح للدول الصغيرة بأن تكون دولاً كبرى … إذا قمتم بذلك، فالعالم سيجد طريقه إليكم”.
يحاجج تشاك جي فرايليك (نائب سابق لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي، وزميل كبير في مركز بلفر حالياً) في مقال عمّا يمكن لإسرائيل أن تخطط لخمسين عام مقبلة لو أرادت تقليد ما نشرته إيران أخيراً عن “النموذج الإسلامي الإيراني للتقدم”، بأن “الدول العربية كلها تقريباً في أزمات … وسببت أزمة لاجئين في أوروبا… بإمكان اقتصاد إسرائيل المزدهر أن يؤدي دور مغناطيس اقتصادي ــــ اجتماعي ليس بإمكان أي حدود أن تعيقه، تخيّل الأمر بعد 50 سنة من اليوم”. ويكمل أنه يمكن لإسرائيل أن تؤثر في اتجاهات الأحداث عبر “خطة مارشال للشرق الأوسط”، على نسق خطة مارشال الأميركية لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. (9 كانون الثاني 2019). 

خاتمة
من خلال هذا الدور المزمع، تسعى تل أبيب إلى إقناع الغرب بقدرتها على “تحديث” المنطقة وإخماد الحركات الوطنية فيها واستتباع دولها. إن “إسرائيل” تسعى إلى ربط الحياة اليومية لشعوب المنطقة ومصالحهم الاقتصادية بها لتعيد إنتاج هوياتهم وتصوراتهم من موقع مركزي ومتفوق، وبذلك تريد “إسرائيل” القول لشعوب المنطقة، وليس للأنظمة فقط، إن وجودها ليس طبيعياً فحسب، بل ضروري. فالكيان الذي لم يعد قادراً على التوسع الميداني لتأمين عمق جغرافي (إسرائيل الكبرى) والذي تقلصت فوقه المظلة الأميركية يسعى إلى تأمين عمق سياسي إقليمي بديل. 
ولتتمكن “إسرائيل” من بناء هذا الدور الجديد، لا بد لها من مقدار متقدم من الردع ضد محور المقاومة، وإخماد المقاومة داخل فلسطين، وإطلاق مسار التطبيع، وتعزيز مشروعيتها العالمية وتحسين صورتها، وإدامة الانقسامات والحواجز بين دول المنطقة وشعوبها، ومنع صعود مراكز اقتصادية إقليمية مناوئة. هذه المتطلبات يمكن أن يكون إسقاطها أجندة عمل لأي حركة شعبية أو سياسية أو نخبوية تبغي مقاومة المشروع الصهيوني. ففي موازاة الاستمرار في تكريس عقم “إسرائيل” العسكري، لا بد من السعي إلى منعها من إعادة إنتاج دورها الإقليمي أي التحول إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي وشبكي إقليمي. إن نجاح مشروع المقاومة على هذا الصعيد سيعيد تذكير الصهاينة بمقولة كارل هارتل (السفير النمسوي لدى الكيان خلال خمسينيات القرن الماضي) بأن “إسرائيل شاءت أو أبت، ليست إلا عبارة عن رذاذ من أوروبا التي دمرها هتلر، بقي ملتصقاً على سواحل آسيا الصغرى”.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *