“إسرائيل” بين القمر والجدران

25/05/2019

موقع أوان، 17 نيسان 2019

 

تحطمت مركبة الفضاء الإسرائيلية “بيريشيت” على القمر بعدما واجهت سلسلة من المشكلات الفنية خلال المرحلة الأخيرة من الهبوط. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ما حدث بأنه إنجاز خيالي وخطوة مهمة للبشرية، وأعلن أن مركبة فضائية إسرائيلية أخرى ستهبط على القمر في غضون ثلاث سنوات. مع أهمية الجانب العلمي للحدث، إلا أنه من المهم محاولة فهم الجانب السياسي له، وهو الذي قد يكون الأكثر حضوراً في العقل الإسرائيلي.

هناك سردية إسرائيلية يجري تكثيفها وضخها مرتبطة بتعزيز مشروعية الكيان حول العالم كدولة ناجزة وشرعية لا غنى عنها. تحاول إسرائيل أن تعزز مشروعيتها من خلال تظهير وتعزيز الفشل الذي يدور في محيطها وإبراز قصة النجاح التي تصنعها. هنا يمكن للشعار الذي كانت تحمله المركبة، وحرص الإعلام الإسرائيلي على بثه مرفقاً بعلم الكيان، أن يساعد على فهم رسالة المحاولة: “بلد صغير وأحلام كبيرة”. السردية الإسرائيلية تدور حول فكرة “استثنائية” التجربة الإسرائيلية كدولة صغيرة محاطة بالأعداء، إلا أنها تنجح في لعب دور قوة كبرى من التكنولوجيا إلى الاقتصاد والفضاء عدا عن العسكر والأمن. ويجري الانطلاق من ذلك للقول إلى المحيط القريب والبعيد إن “إسرائيل” تحولت إلى حقيقة وحاجة وضرورة.

يُلاحَظ أن رئيس حكومة الإحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد بشكل لافت خلال الأشهر الأخيرة على ما تحققه “إسرائيل” في التكنولوجيا والأمن “السايبري” والذكاء الاصطناعي، والانطلاق من كل ذلك للقول إنه مع العجز عن التوسع الجغرافي نتيجة صعود حركات المقاومة، فإن “إسرائيل” تتوسع في النفوذ والتأثير والإلهام. سبق لجوزيف ناي القول إنه في عالم اليوم، الأقوى هو من يمتلك القصة الأفضل، وهذا ما يحاول نتنياهو تكريسه مستفيداً من أحوال العالم العربي المتهالكة.

هذا الجهد الإسرائيلي في بث سردية النجاح العلمي والتكنولوجي مرتبط بشكل وثيق بالمسارات الثلاثة للسياسة الإقليمية الإسرائيلية خلال المرحلة الحالية: بناء تحالف إقليمي بوجه إيران، وتصفية القضية الفلسطينية من خلال “صفقة القرن”، والتطبيع. لتحقيق خرق في هذه المسارات، على “إسرائيل” أن تقنع العرب، شعوباً وأنظمة، أنها تمثل المستقبل والخلاص، وأن لا سبيل للخروج من “الجحيم” إلا الإلتحاق بها. لكن لنقرأ التجربة “الإسرائيلية” من الضفة المقابلة.

“إسرائيل” ليست مجرد كيان، بل مشروع متقدم للهيمنة يتلقى دعماً هائلاً من المنظومة الدولية، وفي الوقت ذاته يُحسن استثمار ما لديه. فضلاً عن ذلك، فإن هذا الكيان قد بدأ السباق مبكراً من خلال جذبه النخبة اليهودية العلمية من الدول الأوروبية والتشبيك مع شركات التكنولوجيا الرائدة. وللعلم، فإن “إسرائيل” حازت من ألمانيا كجزء من التعويضات على 6000 مصنع ألماني بعد الحرب العالمية الثانية.

في تقييم المشروع الإسرائيلي، نحن بحاجة إلى موقف متوازن، لا إلى موقف انهزامي يرى الفارق مع العدو على أنه ناجم عن عوامل “جوهرانية” أو مجرد حسن إدارة للنخبة الإسرائيلية، ولا إلى موقف مكابر ومتجاهل للفجوة التي تتسع بشكل خطير جداً في التكنولوجيا والاقتصاد، بحيث يمكن أن تصل لمرحلة تعيد تشكيل التوازنات، وتضعنا في موقع أكثر تخلفًا في الصراع. فكل تقدم في مجالي التكنولوجيا والاقتصاد، إنما يجري تسييله مباشرة لدى كيان الإحتلال في المجالات العسكرية والأمنية والسياسية.

وبلاد العرب في حالة تخلف نتيجة استلحاقها بمشروع الهيمنة، وهي عملية تجري من خلال نخب محلية في كل القطاعات. ولذا، فكما ينبغي أن نفهم المشروع الإسرائيلي من دون أوهام، نحن أيضاً بحاجة ماسة لمحاسبة هذه النخبة التي تنهش بلادنا، إما لكونها مرتبطة أو فاسدة. نحن بحاجة إلى تحويل الصراع إلى صراع شامل، بالأدوات والموارد المتاحة، فيصبح تحسين مستوى التعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية وحل أزمة النفايات…جزءاً من المعركة.

بعد حقبة هزائم الجيوش، نجحت حركات المقاومة في استعادة المبادرة وردع العدوان الصهيوني ودفع “إسرائيل” عسكريًا نحو موقف دفاعي وإضعاف المنظومة الإقليمية للهيمنة الأميركية. وشعوب المنطقة لا تنقصها الطاقات والعقول والطموحات، فنحن لسنا مأزومين في الأفكار بل في تحويلها إلى نماذج. ولا ينبغي أن ننظر إلى هذا الصراع بالاستقلال عما يجري في العالم. صحيح أننا لا نستطيع تغيير العالم، لكننا نساهم في تسريع بعض التحولات، وعلينا أن نحسن التكيف للاستفادة من التحولات الكبرى وتوظيف ذلك لمصلحة قضايانا المحقة (لنراقب مثلاً جهود “إسرائيل” للتشبيك مع الصين وروسيا والاندماج في ثورة الذكاء الاصطناعي).

نعم، “إسرائيل” كادت أن تصل للقمر، لكنها كل يوم تزيد من عدد الجدران وارتفاعها فوق الأرض وتحتها، وتشعر بأن الأرض تضيق عليها. حين نأخذ هذه الأمور في الاعتبار، يكون المشهد كاملاً.

Share

There are no comments for this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *